www.albayaty.se

 
 

 

محمود البياتي

في انتظار الغريب

 

Waiting For The Stranger

 

Mahmoud  Al - Bayaty

* 

Short stories

 المؤسسة العربية للدراسات والنشر \ بيروت

*

اهداء

الى منيرة التي ساندتني في اقسى الظروف

This book is dedicated to
Munira

who supported me during hardships

 

*

شكر

الى فرح ، التي غمرتني بحنانها الأخّاذ
وهيأت جو العمل الضروري لتحضير هذا الكتاب للطبع .

Tahnks to
Farah

who showered me with her enchanting kindness

and has provided working conditions necessary
 for preparing this book for publication

 

*

 

 

- عنوان الكتاب : في انتظار الغريب

- المؤلف : محمود البياتي

- لوحة الغلاف : بيكاسو

- المؤسسة العربية للدراسات والنشر \ بيروت 2008

 

- فهرست

- اهداء

- شكر

- مقدمة : الكتابة

- تمهيد \ رولان بارت : مقاطع من خطاب عاشق .

 

القسم الأول :

1\ العكس يحدث دائما

2\ المفقود

3\ معطف

4\ جارتي

5\ الحصار

6\ الشخص الثاني

7\ المشبوه

8\ اختراق حاجز الصوت

9\ خطاب السيد نوح

10\ ضحك

11\ الحالم

12\ امرأتان ورجل

13\ اغتيال اوركيديا

14\ استفهام

15\ فاشية

16\ بغداد ، طهران ، ستوكهولم

17\ الغريب

18\ الانهيار - مسرحية ضد الخوف

19\ خطوط التماس

20\ العاقل

21\ التراجع الى خط الدفاع الاخير

22\ عصيان

23\ السؤال والمرآة

24\ الجواب

25\ ما يحدث وما لا يحدث

26\ في انتظار ما لن يحدث

 

القسم الثاني

27\ قصيدة نيرودا : استطيع ان اكتب

28\ جغرافية الروح

29\ الخذول

30\ الطفل والسؤال

31\ النحات

32\  النفق

33 \ مسافر

34\ سكيتش 1

35\ سكيتش 2

36\ سكيتش 3

37\ سكيتش 4

38\ زلة

 

القسم الثالث

39\ قصيدة عامية : مرات مدري كيف

40\ احتفال

41\ زوايا

42\ سينما

43\ تاترا

44\ حين يمضي الزمن بنا في اتجاه معاكس

45\ الآخر

- نبذة عن الكاتب

 

 

***

 

مقدمة

رافقني  شبح  فرانز كافكا عشرون عاماً داخل العاصمة التشيكية براغ : في  دروب  مالاسترانا  ,  ستاروناميستي  ,  قلعة  هراتشاني  , هضبة بترشيني  ,  شواطئ  فلتافا , جسر كارلوف , حانة اوفليكو ، والمكان  الأحب لدي : مقهى سلافيا , المقابلة للمسرح الوطني .

الكاتب الذي اعتبره شقيق كافكا الروحي  صوموئيل بيكيت . عالج  ذات  المشكلة  الجوهرية : أغتراب الانسان  والوجود الملتبس . بطله مقهور , ضائع , عاجز , ومعزول كسمكة خرساء في حوض ضيق . ارى في (الصمت) غير الاعتباطي , الملازم  لمسرح بيكيت , وظيفة تشبه  وظيفة ( الفراغ ) في منحوتات جياكوميتي .

القصة  والرواية

عاتبني الصديق الشاعر شريف الربيعي بالتلفون :

- لماذا لا تكتب رواية ؟

هذا العتاب يعكس  تصورا , لا اتفق معه , يفيد ان القصة القصيرة انجاز يسير , او كما يشاع , اجازة استجمام للكاتب ما بين روايتين . وهي برأيي فن صعب  ومستقل , كالرواية والقصيدة والمسرحية ومقالة النقد . انها تضطلع بما ليس من اختصاص الرواية ولا ضمن قدراتها . الروائي الجيد ليس حتما كاتب قصة جيد . هناك من يرى - مثل ترومان كابوت - ان قصص همنغواي القصيرة اجدر من الطويلة باستثناء (الشيخ والبحر) .
ولعل من الطريف الاستشهاد  بالروائي الحائز على جائزة نوبل , وليم فولكنر , الذي صرح بما يلي : ربما كل روائي يريد في البداية ان يكتب شعرا , ثم يكتشف انه لا يقدر , فيحاول كتابة القصة القصيرة التي هي الشكل الاكثر تطلبا بعد الشعر , وحين يفشل في ذلك ايضا , يمضي اخيرا الى كتابة الرواية !

مطاردة السراب

بطل  قصصي انا \ وانت : العاشق ,  الفرحان , المشوش , المنتصر , والمهزوم ... يقول اراغون :  الادب الصادق والحقيقي , الاوحد , هو ذلك الذي يصدر عن انسان يحكي اسرار تجربته الحياتية الخاصة , بكل حميميتها , بكل محاسنها ومساوئها ...

لا اكترث  جداً بوصف المكان . لكن احساسي حاد بالزمن وعدم الثبات والمفارقة . كل  تجربة سعيدة اعيشها  تستحيل  برمشة عين الى ماض بعيد . كأنني اعيش الحاضر بذاكرة مستقبل مراوغ .

للأبداع بواعث وغايات غامضة . مخيلة المبدع اداة للتغلغل المنطقي والمتخبط في دهاليز وفوضى المجهولات . والكاتب المبدع  - كأي انسان - دائم التعطش الى اهم واخطر ما في صحراء الوجود : السراب !

بغداد , مسقط  راسي . براغ , مسقط حبي . غوثنبرغ , ملاذ  شيخوختي ... وقد  تغدو  لندن  مثواي الاخير . الا ان روحي تشتاق  , بلا جدل ,  الى هناك , الى نخلة ,  حتى  ولو  عجفاء ... نخلتنا لا تنبت في كل مكان .

محمود البياتي

 

* مقتطفات من كلمة القاها بالنيابة , الشاعر الراحل الصديق شريف  الربيعي  ,  في مهرجان القصة \  غاليري الكوفة - لندن 27 \ 7\ 1996

 

عودة الى الفهرست

***

  

التجربة الفنية في القص

التجربة  جسر معلق  بين  الطموح  والنتيجة . الا  ان النجاح ليس نتيجة طبيعية  للطموح . فلا بد ان تتضافر معه شروط  اخرى , مثل : استعداد فطري ومدروس , قدرة على الانصات بانتباه الى وقائع التاريخ العظمى , تفحص منجزات العصر في الأدب والفن والفلسفة والعلوم والتكنولوجيا الخ ...

لم يكن ممكنا اضاءة المصابيح  قبل  ان  نحك حجرا  بحجر , ونعرف القبس , والشعلة , والسراج , والشموع .

ما الذي  يحفزني على ان اكتب رغم النعاس والمرض وملاهي الحياة ؟

ربما الحاجة  الى  معرفة : من انا ؟ او الرغبة في التواصل مع الاخرين ، او التآلف مع  فكرة الموت ، او السعي لأحباط الاعيب الجنون ، او البحث عن معنى الوجود وسبل تلطيفه ، او مداواة  قروح  العشق ...

في كل الحالات  تبقى الكتابة  زحفاً ,  في ميدان انساني عام ، وعر وشاسع ,  نحو هدف  يقع  بعيداً  وراء ظهرنا . وللكتابة , كما اظن , جانب لا ارادي , كالضحك  , كصراخ الفزع , كتأوهات النشوة . وهي بالنسبة لي كالافيون ايضا .

يستعين القاص  بمعايير نقد تعكس ذوقه ممزوجاً بالذوق الجماعي . غير ان  الشك يلازم الأيمان بجودة ما يكتب . لذا  يُخضع الكتابة الى عمليات تجميل \ تجويد  متلاحقة ( شطب ، اضافات ، شطب ، اضافات ... ) بين ساعة وساعة , يوم ويوم , سنة وسنة , بلا توقف ,  حتى تصبح ( مقبولة ) من كليهما ، منه هو ( القاص ) اولاً , ثم من القارئ \ الذوق السائد .

لكل منا  نموذج في فن القص . ولديه اسرار كذلك . فانا اتعلم من اللوحات التشكيلية والموسيقى والغناء  والبليارد وحتى الملاكمة . ان الفائز ليس بالضرورة المهاجم , ولا صاحب القامة الاطول , والعضلات الاكبر  . لعل اتقان المراوغة وتفادي الضربات يحسم المنازلة لصالح الأضعف بدنيا !

الكتابة شهيق وزفير , قد تخلو من المتعة , لكنها - كالتنفس- ضرورية لبقائي على قيد الحياة .

محمود البياتي

* مقتطفات من كلمة القاها بالنيابة , الشاعر الصديق عبد الكريم كاصد , في مهرجان القصة الثاني \ غاليري الكوفة \ لندن – 12 \ 7 \ 1997

 

عودة الى الفهرست

***

 

تمهيد

 مقاطع من خطاب عاشق

جموح الحب

رولان بارت

 

1\ على الرغم من تعقيدات قصتي والأنزعاج والريبة واليأس , وعلى الرغم من رغبتي الجامحة في ايجاد مخرج ما ... على الرغم من هذا كله فإنني لا اكف في داخلي عن التأكيد على الحب كقيمة . اصغي الى جميع البراهين التي تتوسلها الانظمة المختلفة في محاولة منها لأعتاق الحب من اوهامه او للحد منها او لمحوها , أي في اختصار للتقليل من شأن الحب , اصغي اليها ولكني اعاند : " اعرف  , اعرف , اعرف جيدا ولكن ..." واعزو  السبب في الأنقاص من شان الحب وقيمته الى نوع من اخلاقية ظلامية , او الى واقعية مضحكة . وأقيم في مواجهة هذا كله حقيقة القيمة : اواجه كل " ما لا يسير جيدا " في الحب بالتأكيد على القيمة التي يساويها , هذه المعاندة هي احتجاج الحب واعتراضه . فمن بين جوقة " الحجج الوجيهة " التي تدعو الى الحب بشكل  مختلف , الى الحب من دون عشق , يتصاعد صوت معاند يدوم وقتا اطول بقليل : انه صوت العاشق الذي لا يردع ولا ينثني .

يخضع العالم كل تجربة لخيارين لا ثالث لهما : النجاح او الفشل , النصر او الهزيمة . اما انا فاعترض متسلحا بمنطق آخر : اشعر في الوقت نفسه وبصورة متناقضة بأنني سعيد وتعيس * . " فالنجاح " او " الفشل " لا يرتديان بالنسبة إلي الا معنى اتفاقيا وعابرا ( ولكن هذا لا يمنع ان تكون رغباتي وآلامي عنيفة ) ان ما يحركني  بصورة خفية وثابتة ليس شيئا تكتيكيا . حين ارضى او اؤكد فهذا بمعزل عن قوانين الصواب  والخطأ  , وبمعزل عن الفلاح والاخفاق . ذلك انني اتنصل من أي غائية واعيش وفق الصدفة ( والدليل ان صور خطابي تأتيني ( كضربات النرد ) . واذ اواجه المغامرة ( وهذا ما يحدث لي ) ,  لا اخرج منها لا هازما ولا مهزوما , فانا مأسوي .

(  يقولون لي : هذا النوع من الحب غير قابل للحياة . ولكن ما هو المقياس لتقويم قابلية الحياة ؟  ولماذا يكون " الخير " في ما هو مقابل للحياة.  لماذا يكون الاستمرار افضل من الاحتراق ؟).

2\ هذا الصباح , علي ان اكتب في الحال رسالة مهمة يتوقف عليها نجاح مشروع معين . ولكني بدلا منها اكتب رسالة حب لا ارسلها . اتخلى جذلا عن مهمات مضجرة ووساوس متعلقة وسلوكيات ارتكاسية يمليها العالم علي . اتخلى عن كل ذلك من اجل مهمة غير مجدية ولكن نابعة من " واجب " صارخ , واجب الحب .

 

قلق

في مواجهة هذا الاحتمال او ذاك , تجد الذات العاشقة نفسها منجرفة بالخوف من خطر او جرح او هجر او تحول . هذا الشعور تعبر عنه بكلمة قلق.

1\ هذا المساء , عدت وحدي الى الفندق , قرر الآخر ان يرجع في وقت متأخر من الليل , وها هي طعوم القلق ( الغيرة والهجر وانشغال البال ) حاضرة منذ وقت هنا , كما السم الجاهز , ترتقب فقط تصرم بعض الوقت حتى تستطيع الاعلان عن نفسها بلياقة . اتناول  “ بهدوء " كتابا ودواء منوما . صمت هذا الفندق الكبير صاخب , لا مبال , ابله ( خرير بعيد لمغاطس تفرغ ). الاثاث احمق , المصابيح حمقاء , لا شئ اليف يمكن الاستدفاء به . القلق يتنامى . اراقب تصاعده واشعر به ( وانا اقرأ ) كما كان سقراط يشعر , وهو يثرثر مازحا , صعود برد السم اليه , اصغي الى التحلق يعلن عن اسمه ويتعالى مثل صورة لا ترحم مطروحة على خلفية الاشياء التي هنا .

( وماذا لو نذرت امنية من اجل ان يحدث شئ ما ؟ ) .

2\ يعيش مريض الذهان في خوف من الانهيار ( فالذهانات على انواعها قد لا تكون الا شكلا من اشكال الدفاع ). لكن " الخوف السريري من الانهيار هو خوف من انهيار اختبر من قبل (...) وثمة اوقات يحتاج فيها المريض لان نقول له ان الانهيار والخوف منه , هذا الخوف الذي ينخر حياته , قد حدث من قبل  " . كذلك الامر بالنسبة الى قلق الحب : انه الخوف من حداد حدث في ما مضى , منذ ابتداء الحب , منذ اللحظة التي افتتنت . ربما ينبغي على احدهم ان يقول لي : " لا تستمر في القلق , لانه سبق لك ان فقدت حبيبك ( حبيبتك ) ".

السفينة الشبح **

مع ان كل حب يعاش وكأنه الحب الوحيد . ومع ان العاشق يستهجن فكرة تكرار الحب لاحقا في مكان آخر , إلا انه يفاجئ نفسه احيانا متلبسا بحالة من ذيوع رغبة العشق في داخله . ويفهم عندئذ انه منذور للتسكع من حب الى حب . حتى الموت.

1\ كيف ينتهي الحب ؟ ماذا او اين ينتهي اذاً ؟ لا احد اجمالا - باستثناء الآخرين - يعرف شيئا من ذلك . ان هالة من البراءة تقنع هذا الشئ , الذي تكون وترسخ وعُيِّش محاكيا الابدية . ومهما يؤول موضوع الحب , كأن يختفي او ينتقل الى منطقة الصداقة , فلن يتسنى لي , في جميع الاحوال , ان اراه يتلاشى : الحب المنتهي يبتعد الى عالم آخر مثل مركبة فضائية توقفت عن الأيماض . كان الكائن المعشوق يضج صاخبا , وها هو الان يرتد فجأة الى دمدمة مخنوقة ( الآخر لا يختفي ابدا في الوقت الذي توقعنا  ولا بالطريقة التي تصورنا ). هذه الظاهرة ناتجة عن قيد ملازم لخطاب العشق : لست شاعر هذه القصة ( منشدها ) الا في البداية . اما نهاية القصة , مثلها مثل موتي , فتنتمي الى الآخرين . اليهم يعود امر كتابة روايتها أي سردها الخارجي , الاسطورة.

ما ان اكتشف نقصاني ولا اتجرأ في الوقت ذاته على قتل نفسي , حتى يصبح التجوال في الحب محتما . ورثر نفسه خبر هذه الحالة متنقلا من " ليونور البائسة " الى شارلوت . صحيح ان الحركة توقفت عند هذا الحد. ولكن , لو تسنى لورثر البقاء على قيد الحياة , لأعاد كتابة الرسائل نفسها الى امرأة اخرى.

3\ للتسكع في العشق جوانب مضحكة : انه يشبه رقصة باليه تحتدم وتيرتها كلما زادت سرعة العاشق الخائن. حكم على الهولندي الملعون ان يجوب البحار طالما لم يعثر على المرأة ذات الوفاء الابدي . انا ايضا هذا الهولندي الشريد , ومثله لا استطيع التوقف عن التجوال ( الحب ) بموجب سمة قدمية نذرتني في الازمنة البعيدة لطفولتي , لأله خيالي , وارغمتني على تكرار عبارة " احبك " من محطة الى محطة , املاً بأن يتقبل احدهم هذه العبارة ويردها لي . لكن لا احد يستطيع تعهد الجواب المستحيل ( ذي الكمالية التي لا تحتمل ) ويتابع التجوال .

حنان

لا يمكن لهذا الغياب المحتمل كما يجب , ان يكون شيئا آخر الا النسيان . انا خائن بتقطع وهذا هو شرط بقائي , لأنني اذا لم انس اموت , العاشق الذي لا ينسى احيانا يموت من فرط التعب واجهاد الذاكرة ( كما هي حال ورثر ) .

5\ أحكي للغائب خطاب غيابه من دون انقطاع . وهذه المغايبة غريبة اجمالا . فالآخر  غائب بصفته مرجعا , وحاضر بصفته مخاطبا . وينشأ من هذا الانعطاف الخاص حاضر لا يحتمل . فأنا محاصر بين زمنين , زمن الارجاع وزمن التخاطب : لقد رحلت ( وهذا ما اشتكى منه ) لكنك هنا ( لأنني اتوجه بالكلام اليك ).

6\ قد يأخذ " الحرمان " صورة الحضور ( ارى الآخر كل يوم من دون ان اشعر مع ذلك بالاكتفاء . موضوع رغبتي موجود هنا امامي , ولكنني افتقده باستمرار وبطريقة خيالية ).

7\ اجلس وحيدا في احد المقاهي. يأتي الآخرون لتحيتي . اشعر انني محتضن ومرغوب بي ومثير للاعجاب . لكن الآخر غائب. استحضره في داخلي  لكن يردعني عند حافة السقوط في هذه الممالقة الاجتماعية التي تقف لي بالمرصاد. احتكم الى " حقيقة " الآخر ( الحقيقة التي اشعرني بها ) لأواجه هستيريا الاغراء التي اشعر بأنني انزلق فيها. اعزو لغياب الآخر مسؤوليته عن تهتكي الاجتماعي , اتوسل حمايته وعودته : فليظهر الآخر ولينتشلني كأم جاءت تسترد ولدها , من التألق الاجتماعي والتبجح الاجتماعي , وليعيد لي الحميمية الدينية لعالم العشق " فداحته " .

8\ قال راهب بوذي : " امسك المعلم براس تلميذه تحت الماء لفترة طويلة جدا. وشيئا فشيئا اخذت الفقاعات تتناقص لكن المعلم انتشل في اللحظة الاخيرة تلميذه وانعشه . عندما ترغب في الحقيقة رغبتك في تنشق الهواء , عندئذ تعرف كنهها ".

وغياب الآخر يمسك براسي تحت الماء , هوائي يندر واصبح على شفير الاختناق . لكني اعيد من هذا الاختناق بناء حقيقتي وأهئ للمستعصي في الحب .

*

 هذه مقتطفات من كتاب " مقاطع من خطاب عاشق " اصدره رولان بارت العام 1977 , وترجمت ماري طوق نصوصا منه  " الحياة " 6 تشرين الثاني 1994 .

 

هوامش

* بلياس : ما بك لا تبدين سعيدة  ". مليزاند : " بلى , بلى انا سعيدة , ولكن حزينة ".

** يشير العنوان الى الخرافة الشمالية القديمة التي استلهم فاغنر اوبرا من وحيها , وهي ترمز الى البحث عن الوفاء الأبدي في الحب . يهيم الهولندي بريك البحار املاً بأن يلتقي المراة ذات الوفاء الابدي . السفينة الشبح ترمز الى الاحلام السامية الرفيعة ولكن غير المتحققة \ المترجمة .

 

عودة الى الفهرست

***

فيروز : سهار بعد سهار

 

القسم الأول

 

العكس يحدث دائما

 

1\ دموع

أتركُ بغداد الى براغ لدراسة علم النفس . اتعرف على فتاة بوهيمية في مقهى . تحبني بقوة وأخلاص . اخونها . تذرف الدموع وتنهي العلاقة .  اتعرف في بار على راقصة من تايلند . تحبني بقوة وأخلاص . اخونها . تذرف الدموع وتنهي العلاقة . اتعرف على عربية  في  لقاء حول الديانات  وحقوق الانسان . احبها بقوة وأخلاص . تخونني . تذرف الدموع وتنهي العلاقة .

 

2\ مخالفة

أي شئ اقول لزوجتي ترد على الفور :

- لا , بالعكس .

قلت مرة :

- صديقتك سهيلة اجمل من اختها سناء .

قالت باستنكار :

- لا , بالعكس .

بعد اسبوع اختيرت سهيلة ملكة جمال الصيف . قلت :

- لكنها تبدو مريضة .

- لا بالعكس . انها مثل القطة ، تملك سبع ارواح .

وفي  الشهر  التالي  اجرت  سـهيلة  عملية  استئصال  ورم  خبيث في الثدي . اقترحتُ ونحن متوجهان لعيادتها في المستشفى :

- لنأخذ الترام الى آخر محطة باتجاه ساهلغرينسكا .

قالت :

- لا بالعكس . الى آخر محطة باتجاه انغريد .

وحين وصلنا انغريد اتضح  ان المستشفى يقع في ساهلغرينسكا . تأخر الوقت . اجّلنا العيادة . اجهدني التجوال في الاسواق , فرجعنا للبيت مساءً . قلت :

- تبدو عيناك حمراوتان من شدة النعاس .

قالت وهي تتثائب مستلقية على الاريكة :

- لا بالعكس . سأصاب الليلة بالارق .

سألت :

- وماذا سنتعشى ؟

لم ترد . سمعتُ فقط شخيرها الخفيف . اخرستُ التلفزيون , ومضيت الى المطبخ .

 

3\ حرص

صديقي منيف في الاربعينات من عمره . مرح  . وسيم . متورد الوجنتين . مفتول العضلات . يمارس الهرولة والسباحة فجراً . لا يدخن . لا يشرب الكحول . لا يسهر . يعيش في بحبوحة من عائدات مزارع عنب , في وسط  تونس , ورثها عن الجد . يمضي شهرين من كل سنة في ريف فرنسا . مولع في حث الآخرين على التمسك بنظام غذائي يؤخر اعراض الشيخوخة .  يتناول وجبات طعامه في المواعيد . يتجنب المأكولات الدسمة والخبز والحلوى .  يكثر من الفواكه , الاسماك , الدواجن , العسل . اخلد ليلة امس الى النوم ولم يفق .

 

4\ ضحكة

اقول الى لفيف من الاصدقاء  :

- انتم مخطؤون . هو حساس ، دمث ، مؤدب . ويحبني كثيرا . لذلك احبه .

يدق التلفون :

- هلو ؟

- هلو .

لا اتعرف على الصوت :

- من ؟

- لؤي .

- لؤي ؟!

- لؤي لؤي .

- مصاب بالرشح ؟

- لا .

- صوتك متغير .

- ربما .

- يالها من صدفة  . الآن اتحدث عنك ...

- اعرف . يَصلني كل ما تتحدث به في المجالس .

- حقا ؟

يتنحنح  عدة مرات ويقول :

- اسمع خلدون بانتباه  .

- تفضل .

- لم اعد احتملك اكثر .

- أُف !

- انت اسوأ انسان عرفته في حياتي .

تخرسني المفاجأة . يردف بانفعال وبطء :

- يبدو انني ما زلت اخطئ في تشخيص جوهر الناس رغم تجاربي الكثيرة ...

وفي محاولة مرتبكة لأستيعاب ما يقول اتمتم  :

- انت مثلي .

يحتج بغضب :

- لا . نحن مختلفان جدا .

- صح .

- اقصد بصراحة انني انسان شريف .

- طبعا , لكن ...

يقاطعني بصوت اعلى :

- بينما انت مجرد نذل , تافه ، غبي ، لص ، وضيع .

ويغلق التلفون بعنف . أبعد السماعة عن اذني . اصاب لحظات بالذهول ثم اضحك :

- ما هذا ؟!

تتركز عليَّ انظار الجميع متسائلة :

- ماذا ؟

اواصل الضحك , فيزداد فضولهم :

- علام تضحك ؟

- لا ادري ...

 

5\ الوصول

تُوجه لي دعوة لتناول العشاء الصيني , مع عدد من ابرز الصحفيين , في ارقى مطعم بمدينة غوثنبرغ  فأصاب بالرشح , او بالاسهال , او آخذ خطأً الترام في الاتجاه المعاكس . واذا وصلت اخيرا في تمام الساعة السابعة يتضح ان الدعوة كانت في مثل هذا الوقت بالضبط من يوم امس .

 

 6\ بانتظار الثناء

اخفي مشاعر الاعتزاز والفرح وأُبلغ الرفيق المسؤول ، في رسالة قصيرة ، بما انجزت خلال زيارة فنلندا ( 1981 ) مدعواً من صديق شاعر ديمقراطي - هانو يليلهتو وزوجته الشيوعية تاريا :

1\ اجرت معي الروائية تلرفو تومينن مقابلة للاذاعة  ومقابلتين صحفيتين هاجمتُ فيها الأستبداد في العراق بأسمي الصريح .

2\ وزعتُ بياناً  في مؤتمر هلسنكي ( السلم والشباب ) يفضح انتهاكات  السلطة وجرائمها الكثيرة .

3\ القيتُ محاضرة في مدرسة حول الحرب مع ايران .

4\ اتفقت مع ثلاث جرائد على نشر مقالات  نرسلها نحن تتعلق بأوضاع بلادنا والشرق الاوسط .

5\ اتفقت مع جامعتين على تخصيص مقاعد دراسية للمعارضين من طلبتنا .

6\ اتفقت مع المحامي المعروف ( اريكسون )  على استقبال لاجئين .

... بعد اسبوع يبلغني الرفيق اعتذار الحزب عن تمديد اقامتي في تشيكوسلوفاكيا .

 

 7 \ ثقوب

في السويد ، كما في براغ ، ينبغي خلع الأحذية حين تدخل بيتاً . ولذلك احرص على شراء افخر الجورابات . لكن يصادف ان ارتدي بالخطأ  جورابا مثقوب . اتقاعس عن تبديله . اقول لنفسي :

- انا ماض الى دكان الحي ليس إلا .

وفي الطريق اقابل احد المعارف . لم اره منذ سنوات . يدعوني بالحاح  لشرب القهوة في بيتهم . وحالما اوشك على خلع الحذاء , تأتي الزوجة مرحبةً باحترام فائق , ويلتف حولنا الاطفال , يتفحصونني بدقة وفضول من فوق الى تحت . عندئذ اتذكر , بعد فوات الآوان , الثقب والأبهام الذي سيطل منه .

 

 8\ تأخير

كلما اريد ترك البيت للحاق بموعد هام  ارتدي البلوز بالمقلوب . اخلعه بعجلة وارتديه بالمقلوب ايضا . وحين اهم بقفل الباب يدق التلفون . اتجاهله على مضض . اهبط في المسرى ( المصعد ) * , فأتنبه الى انني نسيت الساعة . ارجع لأخذها . وفي الطريق الى محطة الترام اتفقد نظارتي الطبية . ارجع . على درج محطة الترام اتحسس الجيب  فلا اجد محفظة نقودي  ولا  بطاقة الأتمان . ارجع . ارجع . ارجع ... وبعدما أطمئن الى ان كل ما احتاجه اصبح بحوزتي اترك البيت ركضاً , فتختفي الشمس خلف سحب داكنة ويهطل المطر بغزارة لم تعهدها البلاد منذ قرن ... وانا بدون مظلة .

 

 9 \ اثلام

اذا استخدمتُ في مناسبة واحدة قدحين , احدهما غالٍ والثاني رخيص , ينكسر الغالي .

اكسر في الشهرين عشرة اقداح . ولكنني اجهل لماذا تُعمّر الاقداح الأرخص . فما ان امس , برفق , قدح كرستال , ينكسر , او يفلت من قبضتي  وكأنه صابون  لزج . اما القدح العادي , المثلوم , المكروه , فيبقى الى الابد , رغم استخدامي المفرط له في شرب الشاي والقهوة والماء واللبن والنبيذ . في الواقع , انني اتعامل معه بمنتهى الفظاظة , بل باستهتار , كأن اقذفه الى حوض المغسلة , ولا يحدث له أي شئ . اتقصد اسقاطه على الارض بحجة السكر , ولا يحدث أي شئ . ادق بكعبه مسمارا في حائط من اسمنت , ولا يحدث أي شئ . عندئذ القيه بيأس في الدولاب واخرج قدح كرستال , املأه بالعرق واسترخي امام التلفزيون لمتابعة برنامج ( فكاهات )  فيتبين لي انه سخيف . اقرر تبديل المحطة . وحالما  تمتد  يدي نحو جهاز التحكم عن بعد , تلامس  عفوا القدح ,  فيسقط على الارض . اتطلع ببلادة الى شظاياه . ثم ابدأ جمعها بصبر نافد فأجرح اصبعي . اضمده  بمنديل ورق وامضي الى المطبخ . اخرج القدح المثلوم وانا اكبت بمشقة رغبتي في الزئير .

 

عودة الى الفهرست

 ***

 

المفقود

 ( اعلان )

من مستشفى الفضل للولادة , وفي اثناء غيبوبتي , خرج ولم يعد , قبل تسع واربعين سنة , ولدي محمود كامل . يرجى ممن يعثر عليه , او يعرف أي شئ بهذا الخصوص , ابلاغ اقرب مركز للشرطة , او الاتصال تلفونياً برقم ( 3312165 ) وأجره عند الله لا يضيع .

الاوصاف حسب شهود عيان موثوق بهم :

- الطول 173 سنتم .

- الوزن 75 كغم .

- العينان شهلاوتان .

- الشعر اسود موخط بالشيب .

- العلامات الفارقة : شامة على خده الأيمن .

 وتشير المعلومات ان ولدي العزيز يحمل على الدوام حقيبة يد من النوع الذي يعلق على الكتف . يلبس في الغالب ثياباً غامقة اللون او سوداء . مارس عدة مهن بينها تصميم ديكورات . طُرد من العمل  وسجن مرارا بتهم سياسية على الارجح . مفرط في معاقرة الخمر والتدخين . مصاب بالكآبة , رغم سلوكه على نحو طبيعي مع الناس , وبخاصة مع الضعفاء منهم والمجانين والمرأة . نجا صدفة من مخاطر كادت تودي بحياته , فترك الوطن الى اوربا بتاريخ مجهول .

 اتوسل الى ذوي المروءة والرحمة مساعدتي في ايجاد ولدنا المعذب الذي نشر , في غضون أدائي فريضة الحج , اعلاناً في الصحف يخلو من العنوان , يفتش بواسطته عني ويقول  : الحياة صعبة يا ماما , اريد ان ارجع الى بطنك .

 لم افهم القصد بالضبط . لعله يمزح معي . على اية حال , فلو كان بالوسع تلبية هذه الرغبة لما توانيت . استغفر الباري عزَّ وجل وأعوذ به من الشيطان الرجيم .

والدة المفقود المفجوعة

ناجية شكر الله

17\2\1993

العنوان : مستشفى الامراض العقلية \ ردهة رقم 9 ج - بغداد

  

عودة الى الفهرست

***

  

معطف

 تعطلت الكهرباء في المستشفى . صعد الخياط العجوز الُسلّم العادي الى الطابق الثالث . قعد  متهالكا على آخر درجة ريثما استراح وسكن لهاثه .

 *

 قام مستعيناً بدرابزين السلم . جاوز عتبة تفضي الى وسط ممر طويل نظيف . تلفت بحيرة , واختار جهة اليمين , فاتضح ان غرفة (78 ) التي يقصدها تقع في نهاية اليسـار .  قال متذمرا : لكم يحبـون التعقيد  !

 

*

 فتح بلا دق الباب ليُبهج  دكتور كمال بقدومه المفاجئ . مدَّ الرأس

الأصلع باسما . لم يلحظ  سوى بلبلين يرفرفان داخل قفص على حافة النافذة . ساوره شك ( اخشى 87 ؟ ) ... ورجع باتئاد الى نهاية  الجهة  المعاكسة من الممر . فتح الباب  بعد دقة واحدة . رأى مضمدا صغير السن , يجلس خلف طاولة , يقلب  باستغراق ومتعة صفحات مجلة .  تنحنح وسأل بصوت خشن :

- دكتور كمال موجود ؟ ( واعقب فوراً ) صباح الخير .

رد المضمد ( لا ) ولم يرفع راسه عن المجلة . تفحص العجوز انحاء الغرفة الواسعة واثاثها الابيض فتسمرت عيناه المزرورتان على مشجب في الزاوية , يتدلى منه معطف اسود :

- وما هذاك ؟

سأل بارتياب . رفع المضمد راسه فرأى العجوز \ ناصبا بمشقة قامته القصيرة ويخزر بعينين  صارمتين تحضان على المداعبة اكثر مما تخيف :

- ماذا تأمر ؟

خاطبه بلطف . تقدم العجوز خطوة واعاد السؤال مقرونا بإشارة عصبية من الأصبع :

- ذاك ذاك ذاك ... اليس معطف دكتور كمال ؟ ( واضاف ليحرك اهتمام المضمد ) صديقي .

التفت المضمد الى المعطف , فالى العجوز , وسأل متصنعا السذاجة :

- من صديقك ؟ المعطف ؟

صرخ العجوز بحزم :

- دكتور كمال . دكتور كمال احمد . هذاك المعطف . انا خيطته بهذه يدي قبل سنة او سنتين .

ايده المضمد :

- نعم . هذا معطف دكتور كمال .

- وانت تقول غير موجود .

- المعطف ؟

- عجيب ! كمال . دكتور كمال احمد . صديقي .

- ولكن هو حقا غير موجود .

- وهذاك معطفه ؟ الا تراه ؟!

- التفت المضمد الى المعطف ، وقال :

- اراه . ولكني لا ارى دكتور كمال داخله .

حك العجوز ظهر الرقبة . رمق المضمد بيأس , وحاول ضبط انفجاره :

- ولدي . انا مريض . سكَّر وضغط  مرتفع . يقولون . ما ادري . جئت اتأكد . اما هذا عقلي فسليم . اعني يمكن دكتور كمال موجود داخل المعطف ( واستدرك صارخا بغضب ) المستشفى . داخل المستشفى .

كتم المضمد ضحكة كادت تفلت . اخذته الشفقة على العجوز الذي يستنزف قواه الواهنة عبثا :

- مُرْ بغرفة 78  لعله رجع .

انطلقت كالسهم نظرة من عيون العجوز الشزراء صوب المعطف , مستفهمة ( وماذا يفعل هذا هنا ؟ ) فأوضح  المضمد :

- نساه كالعادة . نساه عندنا في بداية الدوام . شرب قهوة . ما مشكلة .

 كل شئ انجلى للعجوز الذي شق عليه مشهد المعطف متدليا من المشجب باهمال وتراخ , كمشنوق منزوع الراس والرجلين . كظم غيظه ( ما شأني ؟ ) وسد الباب . مضى الى غرفة 78 , فلمح البلبلين يتناقران برقة وصمت على ارجوحتيهما ... شرد ذهنه : كم هو سئ حظي . ادخل المستشفى تنقطع الكهرباء . اصعد انزل , اروح يسارا يمينا , ولا اجد في النهاية غير معطفه الذي شخصّته , والحمد لله ,  بحدة نظري وذاكرتي العجيبة . اما ضغط الدم فهو الذي يجعلني اسرف في تضخيم الامور والأنفعال سريعا لأتفه الاسباب . وإلا ما خطأ هذاك المضمد الأبله كي اسخط عليه واوبخه ولا اقل له حتى مع السلامة ؟ وما تفسير نوبات انفجاراتي المباغتة مع الصناع  والزبائن والاصدقاء وزوجتي المسكينة التي تعودت طبخ وأكل ( الماصخ ) خوفا على صحتي انا ؟

- غووورد  كوكو دا غووورد غووورد .

 صحّاه تغريد البلابل . دندن هامسا كلمات اغنية قديمة ( كل الحبايب اثنين اثنين ) وسد الباب . قرر  بفرح ان  يشتري لزوجته , في طريق العودة الى البيت , كيلو رمان  ولب جوز . قرر ايضا  ان  يتعامل  مع  الحياة  (  من الآن  )  بعدم  اكتـراث ( او بسفاهة سفاهة ) لفظ الكلمة وكأنه يقنع بها شخصاً آخر . مشى بجذل نحو السلم لينصرف ويفحص ضغطه غدا , فتقابل عند مخرج الممر مع المضمد . ضيّق الجفون الذابلة ليتثبت نظره  على المعطف الأسود الذي يرتديه , فيما سأل المضمد بتلعثم :

- ها , لقيت الدكتور ؟

ادرك العجوز انه مخدوع ( اضحوكة ) ... فهذا المعطف لم يخطه هو . ارتبك التنفس ودقات القلب . اراد تحويل الامر الى مزحة , فاختلج  فمه وازرق ثم سقط على الارض .

  

عودة الى الفهرست

***

 

جارتي

منذ بدأتُ التلثم بشال , في مطلع هذا الشتاء القارس , اخذت العجوز كارين تتجنبني . تقابلنا مرة في الطريق فقفزت الى الرصيف الثاني . اقتربتُ منها عند محطة الباص فتراجعتْ خطوتين . القيت  تحية الصباح فأشاحتْ وجهها عني . فكرت : لعل الجوهر العنصري بان . تكره الاجانب .

لكن سرعان ما فاجأتني خارج دكان لبيع الفواكه بسؤال من بعيد :

- لماذا تتلثم يا عامر ؟

ازحت الشال عن فمي لتسمع :

- برد . برد يا كارين . انني من بلاد حارة . عراق .

دنت مني وهي تضحك :

- اوه , يا الهي , انت اذن بخير , لست مصابا بالرشح .

- لا .

- كنت اظن ... كنت اخشى ان تصيبني بالرشح كما فعل في الشتاء الماضي احد المعارف . جلس معي في حجرة القطار من ستوكهولم الى غوثنبرغ ...

 وحدثتني بحرارة عن اسباب الرشح واجراءاتها الوقائية  ضده : حليب ساخن . شاي . عسل . ثوم . كما ابدت  استيائها من عجز العلماء عن التغلب على مرض تافه في الأرض , بينما يعبثون كالاطفال بين النجوم ...

 بعد ذلك افتقدتُ العجوز كارين فترة طويلة . سألت عنها امس منظفة العمارة الشقراء وانا متوجه بمزاج رائق الى البيت . توقفت عن كنس الممر الضيق , لتقول :

- توفيت .

- توفيت ؟!

- بسرطان الكبد.

- سرطان ؟!

استندت المنظفة الى عصا المكنسة وقالت بنبرة حزينة :

- كانت مصابة منذ شهور ولم تكن تدري ( استأنفت الكنس ) لحسن حظها لم تتعذب كثيراً .

ندت مني ضحكة عفوية اثارت استغرابها , أوضحتُ :

- كان يفزعها الرشح ...

- ماذا قلت ؟

- لا شئ .

تلثمت بشالي ومضيت لشراء علبة سجائر وزجاجة نبيذ .

 

عودة الى الفهرست

***

 

 الحصار

انهالت  فجأة  زخة رصاص . انبطحتُ  على الرصيف ، وراء جذع نخلة ، ثم عدت زاحفاً عبر الحديقة الى الداخل . تفحصت جسمي في مرآة مستطيلة ؛ بطولي ، فلم اجد أي اثر لجرح او حتى لخدش .

 

**

 دنوتُ بحذر من الباب . رأيته رابضاً  خلف متراس متحرك . انه جاري الغامض والوحيد في هذه الواحة . لم اتوقع  ان يطلق النار عليّ هذه المرة . فقد لحظته مشغولاً في الايام الاخيرة بنباتات  حديقة  بيته وبالرسم ومطالعة الكتب والاستماع للموسيقى . خيل لي انه  نسيني . لكن يبدو ان المسلك البرئ كان  خدعة جعلتني اطمئن وافكر بمغادرة البيت .

 

**

 حتى الآن لم اجد سبباً يدعوه الى منعي من مغادرة البيت . فهو يتجاهلني حين اجلس عند النافذة  او اتمشى في الحديقة ... ويطلق الرصاص عليّ إن وطئتُ  رصيف  الشارع  العريض الفاصل بيننا .

 

**

 تساورني احياناً فكرة مجنونة \ ان اعبر الشارع  واعانقه . صرخت امس من النافذة :

- اسمعْ ، لماذا تحاصرني ، لماذا تمنعني من مغادرة البيت ؟

لم يرد . حاولتُ  تبين ملامحه فلم اوفق . فهو يبدو شيخاً في الستين ، وطفلاً تارة اخرى . ويبدو كذلك بهيئة امرأة او شاب مألوف  لدي .

 

**

 

لم ايأس على اية حال . سعيت للتفاهم . جربت مصادقته ليؤمن بأنني لست عدواً ، لكنه  بدد هذه الفرص . ظل يتصرف كما لو انني عازم على الحاق الاذى  به . هل يؤذي مجرد وجودنا في مكان واحد ؟ إن كان ذلك حقاً ِلمَ لا يسمح لي بمغادرة البيت والتواري عن الأنظار الى الابد ؟

 

**

 

كتبتُ رسالة : ( إن  سمحتَ  لي  بمغادرة البيت اتعهد بعدم الرجوع . وانا حاضر  لتلبية أي شرط  يساعدني على مغادرة بيتي قبل ان اصاب بالجنون ) . وضعتُ حجراً داخل الرسالة ، ضغطتها بيدي ثم رميتها اليه . جاوبني بعد قراءتها بوابل من الرصاص .

  

**

 

يبدو انني سأبقى  سجين البيت . ما العمل ؟ قرأتُ مرة تعليق جدي على حاشية كتاب : ان الأقتناع  بعدم وجود  حل هو  حل ايضاً .

 

**

 

استسلمتُ  لقدري . لجأت الى زراعة  الفواكه والخضر والحبوب املاً في تحقيق نوع من الاكتفاء  الذاتي  بالطعام . وسّعتُ حقل الدواجن . صنعت من العنب نبيذاً يكفيني سنة . وبالضد من كراهيتي المتنامية للجار عرضت عليه تذوق النبيذ . وقفت خلف عتبة الباب ولوحت له بالكاس  :

- انظر ،  تعال  تذوق  نبيذي .

لم يرد . اكتفى  بتجاهلي .

 

**

 

ها انا اهرم في بيتي . هو يهرم في بيته  . أخذتْ تراودني فكرة الانتحار . سأحدد انا وقت واسلوب موتي .

 

**

 

ولكن لم لا اعامله بالمثل ؟‍‍!

اخرجت بندقية جدي وعلب الذخيرة من القبو . مسحت عنها الغبار والشحم  فغدت جاهزة للاستعمال . سأمنعه من مغادرة البيت . توجهت  الى النافذة  واطلقت  النار بلا توقف الى ان تعبت .

 

**

 

اصبح كلانا محاصراً .

ما جدوى ذلك بالنسبة لي ؟

يجب اللجوء الى وسيلة اخرى لفك الحصار . لم اعد احتمل وحدتي في هذا  البيت  الموحش .

 

**

 

يوم مشمس . انا ملئ ثقة وبهجة . وقفت امام مرآتي عارياً . حلقت  الذقن . تعطرت بماء الورد . ارتديت ابهى الثياب ، وخرجت  دون سلاح . عبرت  الشارع  الى  حيث  يقع  بيت الجار . استقبلني بصليات متلاحقة من الرصاص .  لم اكترث . شعرت فقط  بلسـعات غير مؤثرة في انحاء جسمي . واصلت التقدم بعناد . ترك المتراس  مرفوع  اليدين . اقتربت  اكثر . ظل يحدق في عيني  بهلع ؛ لا يدري ماذا ستكون خطوتي التالية . تمعنتُ فيه ... لَكَمْ هو فاتن !

فتحتُ  الذراعين  فألقى  برأسه على كتفي وانفجر منتحباً .

 

عودة الى الفهرست

***

 

الشخص الثاني

 

القى الفرشاة على الارض وحدق في اللوحة بيأس . لم يتبادل الحديث مع احد منذ نحو شهر . ظن رائحة الفم ستصبح لذلك كريهة , او غريبة , كرائحة فم الخرسين. جرّبَ الغناء  . لم يعجبه الصوت . تجشأ وقرر اختراع  شخصية  يحادثها  في اوقات الفراغ  او عند الحاجة . التفت الى شخص وهمي وقال باسماً :

- هلو . انا فريد . رسام . تفضل اجلس .

رد بنبرة مختلفة  :

- شكرا . انا اسمي سعيد . رسام كذلك .

- وهل انت موافق على العيش معي ؟

- بكل سرور سيدي .

- ارجو ان ترفع الكلفة بيننا .

- كما تشاء .

- قهوة ؟

- لا , شكرا .

- متأكد ؟

- متأكد .

- حسنا . إشغلْ نفسك  بتصفح هذي المجلات او بالتفرج على لوحاتي .

 

مضى الى المطبخ . اعد فنجان قهوة ورجع الى مرسمه المزدحم بالاوراق والكتب والسكيتشات والكنفاس , قال :

- انا عندي عمل كثير لكن بودي التحدث .

- اسمعك .

تمدد فوق الاريكة واشعل سيجارة :

- ارجو ان تروي لي نكتة اولاً .

- لا احسن رواية النكات للاسف .

- حاول .

- لا احسن رواية النكات .

- حاول , حاول .

- بدلاً من ارغامي على رواية النكات انهض وارسم .

رد بغضب :

- انا اقرر متى ارسم .

- لا تراوغ . إعترف انك نضبت , كفنان .

- ما هذا اللغو ؟

- ليس بمقدورك مزاولة الرسم كالسابق .

اتسعت عيناه دهشة :

- كيف تجرؤ وانت ضيف على مخاطبتي هكذا ؟

- العفو .

- انت غير موجود في الواقع .

- هل تتحدث الى شخص غير موجود ؟

- انا اتحدث الى نفسي .

- مجنون ؟

جاوب بحزم :

- إخرس . كن مؤدبا . انني اتسلى فقط .

- ارفض ان اكون اداة للتسلية .

ضحك فريد . اعجبته اللعبة . اعاد فنجان القهوة فارغا الى المطبخ . هيأ قدح نبيذ ورجع ليقول :

- سعيد .

- نعم .

- وجودك اصبح يزعجني .

- لماذا ؟

- تعال غدا .

- لماذا ؟

- عندي اليوم عمل كثير يجب انجازه .

- لن اخرج من هنا .

كان رده قاطعا . قال فريد :

- ستخرج .

- لن اخرج .

شحب وتندى بالعرق  :

- ستخرج فورا . فهمت ؟

- لن اخرج .

كرع النبيذ دفعة واحدة , اغمض عينيه , وقال بهدوء من يوشك على الانفجار :

- اخرج . من . بيتي . فورا ... الآن .

بنفس الهدوء رد :

- اصبح هذا بيتي وليس بوسع احد اخراجي منه .

- لكني اريد ان اكون ...

- انا  اريد ان اكون وحدي ... انت اخرج .

اعترى  فريد الذهول والخوف , فصاح  بأعلى صوت :

- اخرجْ  ( ثم قالها بتوسل )  اخرج ارجوك . اريد ان اعمل . اريد ان اكون وحدي . هيا اخرج . ارجوك ارجوك ارجوك ...

 

 عودة الى الفهرست

***

 

 

المشبوه

 

فتح خليلو نافذة المطبخ .  تمعن بمزاج رائق في  مشهد الهضاب الخضراء وجلس يأكل الفطور .  وصلت  بالفاكس من لندن نشرة حزبية تتهمه بالعمالة للنظام الدكتاتوري . قرأها دون انفعال  . كوّم الصحون مع بقايا الطعام في المغسلة وقطب الجبين . شعر فجأة بغثيان ومغص حاد في المعدة . هرع الى التواليت وبقي فيه دون جدوى ساعة .

 

صار  يقضي منذ ذلك الحين معظم وقته بالتواليت , حيث يقرأ الصحف والمجلات والكتب استثمارا للوقت الضائع . لكن المشكلة ان جرس التلفون  يرن حالما يبدأ  المهمة  او يوشك على الانتهاء منها . ومع كل رنين تتشنج العضلات وتنغلق منافذه على التفكير والتركيز . اذا عجّل في الخروج ورفع السماعة لا يتكلم احد , او يتضح  ان المتكلم شخص بلا اهمية . اما اذا تركه يرن , يتضح فيما بعد ان الذي تلفن شخص عزيز .

جرب مرارا  ارجاء دخول  التواليت  الى آخر  برهة , وما ان يدخل يرن ... قال : لو انني ( شيزوفرينك ) لظننت ان هناك من يترصدني عبر كاميرات خفية وهو الذي يوعز , او يوحي , الى شخص محدد ان يتلفن ...

 

ورغم الاقتناع بأن الذي يحدث هو محض صدفة , فلا يمكن لجهة ما الاهتمام بمضايقته على ذلك النحو بالذات , الا انه يتساءل : حسنا , وكيف تتكرر نفس الصدفة  كل يوم ؟

 

اصبح خليلو مرتابا , سهل الاستثارة , يلهط كميات غير منضبطة من الاطعمة والحلوى والآيس كريم , بل اصبح  يأكل دون الاحساس بالجوع . وإن اصيب بالتخمة يعتريه الحنق , فيلجأ الى اجراءات احترازية : يتعمد  التقيوء , يشرب  السوائل , يمضغ عقاقير تضعف الشهية , ويقصر الغذاء على لبن رائب يفاقم الأمساك ويرغمه على ملازمة التواليت مرة اخرى .

 

كَتَبَ , بنصيحة من صديق , الى صحيفة يوتوبوريز بوستن : اني اتعرض لأرهاب تلفوني . عندما يرن التلفون وارفع السماعة لا احد  يتكلم , او اسمع  تنهدات ... كيف لي معرفة من يتصل ؟

ردت الصحيفة : راجع  مصلحة الاتصالات السلكية واللاسلكية . ولكي تعثر على الشخص الذي يقوم بهذه الاتصالات يجب ان يكون تلفونك موصـولا بمحطة عصرية وان تدفع اجور هذه الخدمة \  500  كرون الخ ...

 

انطوى خليلو على نفسه . لا يقابل الاصدقاء ، لا يتنزه في مركز مدينة غوثنبورغ المزدحم  بالسابلة  والمقاهي والاسواق ...  وبعدما ارهقه الرنين المخاتل راجع مهتاجا  المساعدة  الاجتماعية  بيا  اولوفسون . لاحظتْ  بقلق احتقان وجهه الحنطي :

- الستَ بخير ؟

- طبعا لا .

قرّبت منه كرسيها . نظرت بعينين زرقاوين في  بؤبؤي عينيه الفاحمتين , وسألت :

- ما الذي استطيع ان افعل لأجلك ؟ ها ؟ ماذا ؟

اشاح وجهه الى الحائط بنفاد صبر :

- لا ادري ...

- إخبرني بما يشغل بالك دون حرج . ثق بي .

عززت  القول بنظرة حنونة  . مضى خليلو  يسرد الوقائع بعصبية :

- كلما  ادخل  التواليت  يرن  جرس  التلفون  ..  انا  اعاني ...

( ونسي كلمة امساك بالسويدية , فسألها ) ماهو عكس اسهالdiare   ؟

-  förstoppning

- اجل . امسـاك . اعاني من الامسـاك ..توجد ايضا مشــاكل سياسية عويصة ... انهم يتلفنون لي كلما دخلت ...

 

والتمس  في الختام  الموافقة على تغطية نفقات نصب تلفون في التواليت . وعدته بطرح الموضوع على رئيسها في اول فرصة :

- شرط ان تُحضر تقريرا من الطبيب يؤيد معاناتك من الأسهال .

- الأمساك !

صحح خليلو قولها باستنكار . اعتذرت :

- اوه , العفو , امساك امساك ..  تقرير رسمي يؤكد هذا ليُعرض عند الضرورة ... فالسويد بلد بيروقراطي . اوراق اوراق اوراق .

اشترى خليلو ورق تواليت ومرذاذ عطر يذكّره بنسيم الغابات . تناول قدح حليب باردا  وتلفن  الى الطبيب العجوز , البولوني الأصل , الذي  يتحدث على الدوام  كمخمور يوشك ان يغفو :

- تشيرنوفسكي .

- مرحبا دكتور , انا خليلو . رقمي الشخصي 490217  , راجعتك مؤخرا عدة مرات  و ...

- لحظة . انتظر لحظة . لحظة .

تخيله يبحث باستغراق  عن ملفه في الكومبيوتر , و سمعه يلوك  بلسان ثقيل :

- نعم نعم نعم ، كاليولو ، او كي ... ماذا تحتاج ؟

- نصبْ تلفون في التواليت .

- ماذا ؟! ما علاقتي بهذا الموضوع ؟ هنا مستشفى !

- عفوا دكتور . دعني اوضح  ارجوك . وعدتْ مساعدتي الاجتماعية , انها سيدة طيبة  , بيا اولوفسون ... بأنها ستوافق على نصب التلفون لو احضرتُ تقريرا يؤيد معاناتي من الامساك  . هذه حالة نفسية كما تعلم ...

- لا اعلم اي شئ ولا افهم اي شئ مما تقول .

- دعني اذن اصارحك , انني امر بفترة عصيبة نتجت عنها اضطرابات في جهازي الهضمي . اصدروا  نشرة  تتهمني بالعمالة للنظام الدتاتوري ، وكلما ادخل التواليت يرن التلفون , اما اذا ...

- مهلا مهلا . هل لك ان تزورني ؟  فانا لا افهم بحق اي شئ مما تقول .

 

حصل  خليلو  على  وصفة  بدواء  مليّن  Importal وتقرير يفيد  انه ( يعاني من امساك مزمن وهو خاضع للعلاج منذ نيسان الماضي تحت اشراف الدكتور تشيرنوفسكي ) . غير ان بيا اولوفسون اشارت , قبل اعلانها قرار الرئيس , الى عدم الرغبة في التورط بصراعات اللاجئين , واضافت مباشرة :

- يمكنكم  الاختلاف  في الآراء  والاجتهادات .  هذا  طبيعي للغاية . العنف  هو المحظور عندنا .

بذل  خليلو جـهده لاقنـاع  بيا ان مضايقة المرء (  في أي مكان )  يعد نوعا من العنف المعنوي .

لم يسعف ذلك في نيل الموافقة على مساعدته في تغطية نفقات نصب التلفون :

- آسفة . رئيسي يتوقع  اعتبار مساعدة كهذي سابقة يستند اليها آخرون . فقد عمم مركز الاحصاء الصحي معلومات تؤكد ان الامساك بات ظاهرة شائعة في اوساط اللاجئين عموما وبخاصة العراقيين او العرب .

قاطعها خليلو باهتمام بالغ :

- كل العراقيين ام اليساريين منهم فقط ؟

- الطبيب لا يسأل مرضاه عن ميولهم السياسية !

 

دفعت الحاجة خليلو الى  اختراع مخرج بسيط استوحاه من عمل خاله الكهربائي في محلة سوق الشيوخ في بغداد . مد السلك بوصلة طولها خمسة امتار وراح يحمل التلفون الى ابعد ناحية في البيت المؤلف من غرفة وصالون ومطبخ .

جلس في اليوم الاول ينتظر على مقعد التواليت والتلفون الوردي بين  قدميه . لم يرن . لم يرن بتاتا . رن في اليوم الثالث فجفل .

- صباح الخير .

المتكلم ( ابو داوود ) مسؤوله الحزبي . كاد يقف  لكنه تنبه ... فبقي جالسا .

- ما بك ؟

- لا شئ لا شئ .

- اخشى ان اكون ايقظتك من النوم ؟

- لا رفيق لا .

- الأمر عاجل .

- ما الأمر ؟

- لجنة تحقيق حزبية تريد الاجتماع بك .

- لماذا رفيق ؟ عفوا . اتقدر ان تتلفن لي بعد ثلث ساعة ؟

استفهم المسؤول بنبرة ذات مغزى :

- لست وحدك ؟!

سحب خليلو بهدوء شريطا من ورق التواليت وهو يقول بتلعثم :

- العفو رفيق . انا وحدي . سأتلفن اليك .. بعد خمس دقائق , دقيقتين دقيقتين .

- ما الذي يمنعك من الكلام معي الان ؟

- لا  مانع . انني مجرد ... لا استطيع الكلام الآن .. ساتلفن بعد دقيقة دقيقة .

قال المسؤول بحزم واصرار :

- اريد ان  تكلمني الان ( واضاف بتواطؤ ) سأحتفظ بما تقوله سراً بيننا .

- انا في الحقيقة ...

قال هذه الجملة المبتورة , مسح عرق الجبين بشريط الورق , ومن فرط الحيرة والارتباك جر سلسلة مدلاة الى جانبه , فتناها الى سمع المسؤول صوت هدير الماء . صرخ :

- ما هذا ؟ اين انت ؟ من اين تكلمني ؟!

اسرع خليلو باغلاق التلفـون وقد احمر حيـاء . في الصباح  تسلم دون اعتراض قرار الطرد من الحزب ( لتصرفاته المشبوهة ) ... منذ ذلك الحين لم يعد يرن تلفونه على الاطلاق عندما يدخل التواليت .

 

عودة الى الفهرست

***

 

اختراق حاجز الصوت

 

عووو .. عووو .. عووو ...

اطلق من خلال النافذة صرخة وحشية  تشبه عواء ذئب جريح . اراد التفريج عن ضيقه فعوى . فكر:

لو بمستطاعي ان اكون شجرة في هذه الغابة . اصبح عمري ربع قرن ... عووو  عووو ...

- من الذي يعوي ؟!

فاجأه  صوت غاضب . لم يرد . واصل العواء : عووو .. عووو ...

- افتح . افتح الباب !

انهالت طرقات متتالية  , عنيفة . قال :  صارت المسألة جدية . سأعتذر .

- انت الذي تعوي ؟

هذا مدير الفندق . تطلع الشاب في عينيه الزرقاوين . انهما مستديرتان كعيني ديك خائف . كاد ان يبتسم لكنه عوى . فعل ذلك عفوا . لم ينجح في قمع الرغبة بالعواء . مضى المدير وزعيقه يضج في الممرات :

- سأنادي الشرطة . انت  مجنون . سأنادي الشرطة . سأناديهم  فورا . هل تعتقد انت وحدك في فندقي ؟

اطرق الشاب : حقا انها ورطة . كيف سأبرر حماقتي ؟

التقط من الارض قنينة نبيذ فارغة . التف حول نفسه مرتين ,  كرامي القرص , وقذفها عبر النافذة . سمع بعد لحظات تهشم زجاج . اطل من النافذة . لم يلحظ ما هو غير اعتيادي : كل شئ هادئ ومنسجم .

راح يتأمل الغابة . كانت مستسلمة  الى الثلج المتساقط على هامات اشجارها . بدت في الظلام والبرد موحشة جدا . اغلق النافذة وتهيأ للذهاب الى المرقص  . تناهى وقع خطوات ولغط في الممر ( جاؤوا . بدأت المشاكل ) تنهد بضيق واستدرك ( لم ارتكب جرماً . فرَّجت عن حزني لا اكثر . لماذا لا يفهمون ؟ ) وبصعوبة امتنع عن العوي فيما هو يفتح  الباب قبل ان يطرقوه . تقدم منه احد الشرطيين بينما تابع مدير الفندق ما يجري بتشف . قال الشرطي :

- هويتك ايها السيد .

اخرج جواز السفر من الحقيبة  . تصفحه الشرطي برصانة , وقال :

- تفضل معنا .

مشى  بين الشرطيين بجدية بالغة , كمجرم محترف . كان يفكر : لا بد ان الشرطيين فخوران . انهما يقومان بالواجب على اكمل وجه . انا اغبطهما . كذلك اغبط مدير الفندق . لكن مازلت بحاجة الى ان اعوي .

في مركز الشرطة سأله شرطي نحيف :

- لم فعلت ذلك ؟

دهمه نعاس مفاجئ . تمنى لو يُسمح له بالنوم بدلا من الاستجواب . لكن الشرطي  كرر سؤاله بحزم . رد برخاوة مريض اجهده الأرق :

- لا ادري . لا ادري .

قال الشرطي :

-  انت لست في وطنك . يتعين احترام عادات وقوانين البلد الذي تعيش فيه . انت ازعجت نزلاء الفندق .. هنا ... آداب ... المدير نفسه ...

 

ما عاد قادرا على مواصلة الاستماع . كان صوت الشرطي يبعث على النعاس لرتابة ايقاعه البطئ . اسند الجبين على حافة الطاولة . كانت آخر كلمة سمعها هي ( النظام ) . اراد ان يقول : انا انسان عادي . حزين . تعبان . احب الناس ... لكنه  عوى بخفوت واستغرق في النوم . او ربما فقد الوعي .

 

عودة الى الفهرست

***

 

خطاب السيد نوح

 

طلع من خرائب المبغى العتيق , الى ساحة الميدان , شيخ منفوش الشعر , رثيث الملابس , يمشي مترنحا بنعل متهرئ . قعد برهة على حافة الرصيف وقام . اجتاز الشارع مسرعا وتوقف قبالة محطة باص مزدحمة بجمهور احرقته شمس الظهيرة . رمق الوجوه متخصرا وبدأ يخطب كالمعتاد :

- السلام عليكم ايها المواطنون ، السلام عليكم  يا جبناء يا مارقين ...

لم يأبه احد . فسيد نوح معروف : مخبل وسكير , ادمن ابناء المنطقة توبيخاته . الا ان بضعة غرباء , يسمعون الخطاب للمرة الاولى , في هذا الجو الخانق , شعروا بالحرج . نفرٌ منهم اخفى ضيقه بابتسامة , في حين صرخ تلميذ جامعي :

- اخطب في بيتكم يا سيادة الرئيس , او في هيئة الامم المتحدة .

تجاهله سيد نوح , وتابع الخطاب :

- انتبهوا , لا اخفي سرا عليكم . نظريتي الجديدة ( الشعاع المجسم ) تكشف اصل الكون وتسعد البشر . صدقوني .

مسح وجهه بردن الثوب المنقع بالعرق ، تفرس في العيون المتلهفة لمجئ الباص , ثم قحقح وأطّر بالكفين فمه , وصاح :

- غلط . غللللط . كل شئ غلط . كل النظريات غلط . خدعوكم عملاء جواهر لال نهرو وبيكاسو والصومال .

ضحك بعض الجمهور . اردف هو :

- خذوا الحكمة مني . انبذوا نظرياتكم العتيقة , الفاشلة , وآمنو بنظرية الشعاع , فهي تشرح كل شئ وتخلصكم من التعاسة والخوف والقلق . صدقوني .

- دعها لك .. ولا تخرط اكثر !

علّق التلميذ بعصبية وضحك , فيما تكتل الجمهور ، ما ان رأى الباص مقبلاً , في مواقع يفترض ان تفتح عندها الابواب . احتدم سيد نوح كالعادة وتعالى صياحه :

- الى اين ؟ فقط قولوا لي يا جماعة الى اين تروحون ؟ لماذا انتم في عجلة ؟ ما الذي جرى ؟

وقف الباص مزمجرا . تدافع الجمهور للفوز بمقاعد خالية جهة الظل , فتوعدهم وملامح شراسة لا تخيف ارتسمت على محياه :

- هكذا اذن ! تتركوني  ؟ هيا , روحوا يا قوادين , يا حقراء , اصعدوا الباص كالغنم , اصعدوا الى ذاك الصوب . فلن يتغير من الموضوع شيئا . لا فرق بين هنا وهناك . تبقون جهلة , مهمومين ما لم تسمعوا كلامي ... اصعدوا , اصعدوا يا اولاد القحاب .

 

***

 

لا احد  يعرف  بالضبط من هو هذا الشيخ . من سماه نوحا . كم عمره . وما الذي جاء به الى خرائب حي المبغى المهجور في منطقة الميدان .

اشيع انه فقد عقله حالما رأى افراد الأسرة السبعة يدفنون تحت الانقاض في غارة جوية خلال حرب الخليج . قيل انه استاذ مهووس بالفلسفة والفيزياء عُذب كثيرا في السجن بتهمة التجسس لأسرائيل او البانيا . زُعم انه طبيب نفساني تأثر بمرضاه , وانه تاجر مخدرات ضيع  ثروة طائلة على سباق الخيل , وانه فنان عاشق , نغل , لوطي ... ومهما يكن سيد نوح , فهو مستمر بدأب , في التربص للمحتشدين  بالمحطة , منتهزا تأخر الباصات , لينقض  بخطب  توبيخية : السلام عليكم ايها المواطنون , السلام عليكم يا جبناء يا مارقين ...

فرغ من خطابه ظهر اليوم ومضى الى الخرائب , يتبعه التلميذ , مترددا , ليسأل على انفراد عن نظرية الشعاع .

 

عودة الى الفهرست

***

 

ضحك

 

معروف ان السيد الوزير دقيق وجدي . كل شئ عنده محسوب . لا مجال للمصادفات في حياته . معروف ايضا انه يقرأ الجرائد مع فنجان قهوة الصباح . يلقي نظرة خاطفة على عناوين الصفحة الاولى ,  ويبدأ  قراءة الاخبار المحلية , ثم ينتقل الى ركن الوفيات , ويرجع الى الصفحة الاولى .

جلس يقرأ الجرائد  في مكتبه هذا الصباح وتوقف امام الخبر التالي : ضابط في شرق افريقيا , كان يقود اتباعه للاستيلاء على الاذاعة وتلاوة بيان الانقلاب , زل بقشر موزة فهوى على الارض ومات ... هكذا اُحبط الانقلاب واعدم مدبروه .

- قشر موزة ؟!

هز الرأس ثم طوى الجريدة  وتناول  ثانيةً . لكن باله تعلق بالخبر :

- موزة !

اعاد فنجان القهوة المرتعش الى الصحن وهو يضحك بخفوت لئلا تسمع السكرتيرة في الغرفة المجاورة .

تناول الجريدة الأولى وقرأ الخبر مجددا . اخذ جذعه يرتج من شدة الضحك المكتوم :

- قشر موزة !

وضحك  طويلا .  اصبح  يضحك  رغم ارادته . لم يعد قادرا على الكف عن الضحك . شعر بالقلق . خشي ان  يجهد القلب . استنشق الهواء بتريث عدة مرات  , لكنه انفجر في نوبة ضحك  وسعال :

- يا الهي . ماذا لو يدخل عليّ احد الناس وانا في هذه الحالة ؟

دمعت عيناه . تعرق وجهه المتضرج وسخن ... الا انه بقي يضحك ويضحك ويضحك حتى طُرق الباب . كاد يصيح ( انتظر ) فضحك . مدت السكرتيرة راسها  لترى الوزير يترنح من الضحك ويردد : عفوا عفوا عفوا .

 

عودة الى الفهرست

***

 

 

الحالم

 

هذا الحلم يتكرر  منذ زمن بعيد .

يرى نفسه استيقظ  بصعوبة , فرّش الاسنان , مشّط , حلق , وردَّ في اثناء ذلك على التلفونات : هلو , نعم , او كي , تشاو . هلو , لا وقت عندي عصرا , هلو ...

وفي الطريق الى منطقة الباص يتحسس الرسغ  والجيوب ليتأكد من حمل الساعة والمحفظة . في شوارع مركز المدينة يصادف اصدقاء  .. آ .. اين انت .. ماذا تفعل .. كيف المزاج ... ويشتبك في مناقشات سريعة , حادة , هادئة . ويتشاجر في بعض الاحيان , ينجز اعمالا بسيطة , كأن يدفع قسط غرامفون او بدل عضوية الأتحاد ,  يستلم الملابس النظيفة من المكوي او يسلّمه الوسخة , يشتري جبن كرافت  وسمك سردين ... ثم يصعد قطار المترو . يتصفح الجريدة بحثا عن موضوع شيق .  يستعرض برامج التلفزيون . يؤشّر بالقلم مواعيد بث مسلسلات  يتابعها حين يكون وحده .  يختلس نظرة الى الركاب . يركز العينين على فتاة جذابة ,  وينصرف  لمطالعة الجريدة بعد التوثق من انها غير مكترثة .

مساءً , يلتقي مع آخرين في حانة , يبيت عند احدهم , او يعود الى المنزل . يفتح زجاجة بيرة اولى , ثانية , ثالثة ... يقلّب احدث وجبة مطبوعات وصلته لينزع عنها ما يستحق المطالعة في الفراش . يتذمر من إرجاء الجواب على خطابات  تسلمها قبل سنة . يتحمس للكتابة فوراً : لمن  , لمن , لمن ؟ ويتمنى بقوة : لشخص استطيع ان ابوح له كل شئ . يتذكر كم تاق لهذا الشخص غير الموجود فيتراخى .  تضعف القدرة على التفكير الواضح المترابط . ولكنه يظل يقاوم ليبقى صاحيا . تتقد  في  الذهن مخططات  لمشاريع  متنوعة , متنافرة الأهداف .  يدونُ في دفتر  بحجم اليد : ماذا  يشتري , أي دائرة يراجع , بمن يتصل , من يزور او يدعو ... ويرسم اثناء  ذلك اشكالا عشوائية , او يخط  كلمات على اوراق كثيرة ,  يجمعها في الصباح , من على المائدة والارض , يجعلها  براحتيه  مثل كرة ... والى سلة المهملات .

هذا الحلم  يتكرر بلا انقطاع  منذ زمن  بعيد .

 

عودة الى الفهرست

***

 

امراتان ورجل

 

- راقت  لي مواصفاتكِ . لكن دعيني اكن صريحاً من البداية . ربما ستتعبين معي .

- لماذا تظن ذلك ؟

- صرت اجد صعوبة بالغة في التعامل مع الراشدين . انهم مفرطو القسوة .

- لكنك احدهم .

- لا ادري . اظن احيانا انني قادم بالخطأ من خارج هذا الكوكب الارضي ...

قطّبت السيدة حاجبيها وهي تبتسم :

- غريب . اسمح لي لحظة .

ذهبت تعد القهوة في المطبخ . وقفت الطفلة عند شباك الصالون تدق جرسها الزجاجي . سأل :

- كم عمرك ؟

- خمس سنين .

ردت وعيناها الواسعتان مرفوعتان الى فضاء رمادي .

- لمن تدقين الجرس ؟

- للطيور .

- هل تحبين القطط ايضا ؟

- نعم . انا احب كل الحشرات .

ابتسم واشار اليها ان تدنو :

- القطة ليست حشرة . انها حيوان اليف .

نظرت في عينيه وقالت :

- انا احب الحصان والكلب والسمكة .

- والنمل ؟

- ماما حكت لي عنه . هو ... حيوان ذكي .

ضحك ولم يصحح ما قالت  . آثر متابعة حديثها :

- في بيت النمل ملكة  وحرس وجنود  وخدم ... تقول ماما .

- هل يسمعون جرسك ؟

- نعم .

مضت الطفلة الى الشباك واستأنفت الدق :

- الطيور لا تسمع حينما تكون السماء غائمة .

قالت بسخط . سألها :

- الا تفر من صوت الجرس ؟

- لا . الجرس يضايق المسنين فقط . الطيور تحب الاجراس . لذلك تعيش في ابراج الكنائس .

قالت وهي تدق ريثما رجعت الأم :

- كفى . دوختِ السيد .

وضعتْ القهوة والسكر امامه :

- اهداها الجرس زوجي السابق , ابوها ( واضافت بلطف وقلق  ) ذكرتَ  في الأعلان انك تحب الاطفال .

- بالتأكيد .

ارتمت الطفلة في حضن الأم , وسألت :

- لماذا لا نستطيع الطيران ؟

- سينبت لك يوما جناحان وتتركيني هنا وحدي .

قالت الأم وراحت الى المطبخ تجلب حلوى ساخنة . همس الرجل :

- استطيع الطيران عندما تكون السماء صاحية .

حالما قال ذلك اختفت الغيوم . التفتت اليه الطفلة بفرح . نهض وتوجه بخطوات  قصيرة وسريعة الى النافذة  , اعتلى  حافتها  وقفز . أخذ يرفرف  الذراعين  ويرتفع  يرتفع  يرتفع ...

 

وضعتْ الأم طبق الحلوى على الطاولة وسألت باستغراب :

- اين هو ؟

- من ؟

- السيد الذي كان هنا .

- طار .

- طار ؟ هل جننت ؟

- لم اطلب منه ذلك . هو طار ودخل في الشمس. لكنه سيرجع . وعدني .

عادت الطفلة تدق الجرس وعيناها مرفوعتان الى الفضاء .

 

عودة الى الفهرست

***

 

اغتيال اوركيديا

 

( 7\9\1963 )

نزلتُ الى محطة مترو أكتن تاون لأستقل القطار الى كوينزواي حيث ادرس الانكليزية في معهد خاص . قلت : ساقفز امام اول قطار يمر من هنا . لمحت القطار قادما  كوحش ساخط . شجعت نفسي : هيا ، خطوة واحدة . خطوة تنهي كل شئ . هيا , هيا ...

وفي اللحظة الاخيرة تريثت : لِمَ الاستعجال ؟ لأنتظر قطارا آخر . هناك قطارات اخرى كثيرة . القطارات كثيرة في لندن . ساقفز امام احدها بعد الرجوع من المعهد .

وفي الطريق تساءلت : الا ينبغي ترك رسالة اعتذار او ايضاح الى الاهل والاصدقاء ؟

جهّزت في البيت ورقة وقلما وزجاجة نبيذ : اعزائي . هربت من العراق بعد شهرين من انقلاب 63 الدموي . قتل الأنقلابيون ابي في معسكر الرشيد . اغتصبوا خالتي سليمة في سجن " قصر النهاية " . عذبوا صديقي جهاد حتى الموت , وارغموني على كشف اسماء رفاقي في تنظيم الطلبة . لم اعد راغبا في مواصلة حياة كهذه , مليئة بالغش والقسوة والكره .

 

( 17\9\1973 )

صار عمري 29 سنة . ما زالت الظروف السياسية تمنعني من الرجوع الى العراق , رغم تشكيل ما يدعى بالجبهة الوطنية . طلقتُ زوجتي سوزان وتنازلت  عن ابنتنا مريم . قطعت صلتي التنظيمية بالحزب الشيوعي الذي شوه سمعتي بافتراءات شنيعة . وها انا مشغول كالمعتاد بالانتحار .

نزلت اليوم الى محطة اكتن تاون لاستقل قطاري الى حيث اعمل موظفا في مكتبة هامرسميث . جاء القطار . تحفزت للقفز لكنني اقنعت  نفسي  للمرة  الالف بأرجاء ذلك ريثما ياتي قطار آخر وآخر , او ... ريثما انجز كتابة مسرحيتي الاولى التي انتهيت من فصلها الثالث بمشقة في الاسبوع الماضي . قلت : انني اتخذت قراري الاكيد بالانتحار فلم الاستعجال ؟ لألقي نظرة متمهلة على العالم قبل مفارقتي له . الامر بيدي . لا احد يمنعي من الانتحار متى اشاء .

 

( 17\9\1983 )

عمري 39 سنة ! بلا عمل . اعيش على معونة الدولة . احلم بانجاز مسرحية : الوطن . لم اكتب منها بعد سوى فصول ثلاثة وبضع صفحات . انه الكسل والفتور وعدم الحماس لأي شئ .

ذهبت الى هايدبارك للتفرج على الخطباء ورسامي الارصفة وعازفي الغيتار والشاذين جنسيا . روادتني في محطة مترو اكتن تاون الرغبة القديمة : القفز امام اول قطار ... هذه القفزة المؤجلة هي التي ستضع على الفور حدا لمهزلة الحياة .

فات قطار كالرعد . فات آخر وآخر وآخر فيما احاول جاهدا اقناع نفسي بالعدول عن الانتحار الان . وفي الحقيقة , اوشكت مرة على القفز الا ان ساقي خذلتاني . حسنا . ساقف اذاً كحصان اجرب وسط  سكة  الحديد  ولن اتزحزح . قلت هذا واضفت بأسف : ما كان  عليّ تأجيل  قفزة صغيرة  كل  هذه  السنين . لقد لازمتني عادة  تأجيل المشاريع . تأجيل الزواج , تأجيل الطلاق , تأجيل السفر , تأجيل انجاز المسرحية , وتأجيل الانتحار ايضا . هيا . اقفز !

 

(18\9\1993)

وأخيرا استجابت سالي لنداءات الحب . اكاد اطير من الفرح . انتظرت هذه اللحظة السعيدة خمس سنين كاملة . التقينا ليلة امس عند صديق مصري مشترك . انفردنا عن بقية الضيوف في ركن الصالة القريب من المطبخ . دخنّا بإفراط , وتألقنا في الكلام عن شؤون ثقافية وانسانية شتى , ثم اتفقنا على تكرار لقائنا مساء غد عندها في البيت . قالت بالحرف الواحد : اسمع فلاح . انني اؤمن بك . ليس الوقت متاخرا للبدء في مشاريعك الكتابية . تذكّر عشرات الذين بدأوا متأخرين ونجحوا . انجز مسرحيتك , وسأقوم بأخراجها مع صديقتي روناك .

يا رب ، كل شئ تغير على نحو رائع وفجائي . انني عاشق . وجدت ختاماً ثمة ما يبرر استمراري على قيد الحياة .

 

( 19\9\ 1993 )

رويترز : دهس قطار رجلا في محطة اكتن تاون غربي العاصمة البريطانية لندن مساء امس  ، وذكر شهود عيان ان مراهقا اوربيا حليق الراس دفع الرجل ذي الملامح الشرقية من الخلف فاختل توازنه وسقط  تحت عجلات القطار مع باقة زهور اوركيديا .

 

 عودة الى الفهرست

***

 

استفهام

حدثت المعجزة امام عيوني ، الا ان رئيس التحرير لم يصدق . جردني من مسؤولية صفحات العلوم والتكنولوجيا .

كنت جالسا في ذلك اليوم القائظ , وسط الصف الاول من قاعة مبنى  الجامعة . القى  دكتور وليم  كاني  محاضرة  بعنوان ( كيف نطيل العمر ؟ ) بيّن فيها ابرز علامات الشيخوخة : استعداد اكثر للمرض ، تضاؤل وتراخي العضلات ، تغضن البشرة ، تساقط الاسنان ، انحناء  الظهر ، وهن السمع  والذاكرة الخ .

وأكد كاني فعالية الدواء  والجراحة والعلاج النفسي والرياضة , وسوى ذلك من الوسائل ، في تأخير الشيخوخة ، وشخّص العلاقة بين نمط الحياة ونوع الغذاء وطول العمر , ضارباً عدة امثلة بسكان الجبال والغابات والشواطئ والصحارى واصحاب المهن المختلفة .

استغرقت المحاضرة ساعتين وبضع دقائق , واختتمت بالقول : سيصبح  مالوفا  في القرن  الحادي  والعشرين بلوغ الانسان المئة ...

- ولماذا ؟

التفتنا نحو السائل : شيخ ملتحي يناهز التسعين , يجلس وسط الصف الاخير . عمامته بيضاء نظيفة وكذلك عباءته . اوضح والنور ينبعث من محياه :

- اعذروني . دخلت القاعة خطأ  فسمعت  كلامكم  الشيق . آ , شيق بالفعل .

شدت نبرته الانتباه . نظر للحاضرين بارتياح , واستدرك :

- ما لا استطيع فهمه هو ان يجهد العلماء الافاضل انفسهم في البحث والتنقيب ليقولوا : كيف يطيل الانسان عمره , لكنهم لا يقولون لماذا يطيل عمره ؟

استدرنا نحو المحاضر الذي نزع نظارته , مسح زجاجها بطرف منديل وابتسم :

- للجواب على سؤالك يتعين عليّ دراسة الفلسفة والمنطق .

ضجت القاعة بالضحك واللغط . اعقب الشيخ  بمرح , كأنه يلقي نكتة :

- هناك جيولوجي  يعتقد ان الديناصور العظيم انقرض لأصابته بالأمساك , ودليله اختفاء اعشاب ليفية كانت تساعده على الهظم منذ 65 مليون سنة  . اذا صح هذا الأعتقاد , نكون عرفنا كيف حافظ الانسان على وجوده واستمراره ! لكن يبقى السؤال : لماذا ؟

 

قال ذلك الشيخ ونهض , مستعينا بعصاً فضية امتطاها فارتفع مترين وطار من خلال نافذة الى خارج القاعة . ركضت مع الاخرين الى النوافذ , تفرجت عليه الى ان اصبح نقطة توارت في غيمة بيضاء كعباءته .

- لعله موسى عليه الصلاة والسلام .

- او يسوع . فهو ايضا كان يجترح المعجزات .

تحادث بجد طالبان هزيلان يقفان قربي وكل منهما يحجب شعاع الشمس عن عينيه بحزمة اوراق . ركزت بصري على الغيمة التي توارى خلفها وقلت شيئاً عن اسراء النبي محمد , على صهوة البراق , الى المسجد الاقصى في القدس , بصحبة الملاك جبرائيل , ومعراجه الى عرش الرب في طريق عودته الى مكة . قلت شيئا نسيته للطالبين وغبت عن الوعي ... فنقلوني بدون ما ادري الى مستشفى الامراض العقلية .

اضجعوني على منضدة رُبطتُ اليها بالقوة وصعقوني بالكهرباء . بلعت حفنة حبوب مهدئة ( 50 ملغ ) في خلال اربعة اسابيع , ثم قابلت , عند الافراج عني , طبيبا اوعز الى زوجتي بالانتظار في الرواق ليسألني :

- رأيته مرة اخرى ؟

- من ؟

- الشيخ ؟

خفضت راسي :

- لا .

- لكنه موجود . ستراه . لا ؟

- لا . انا تعبان .. تخيلت.

جاوبته بتلكوء واعتذار , فسأل :

- انت مقتنع انه ما موجود ؟

- مقتنع ( كررت مؤكدا بعد لحظة ) مقتنع .

صافحني بحرارة وتمنى لي التوفيق بعد ان قال جملة غامضة :

- لعلك تحتاج الى رب رحيم .

 

*

 

استأنفت عملي كمسؤول عن صفحات العلوم والتكنولوجيا ريثما جاء الى البلاد دكتور فريد مكي . القى في قاعة الجامعة نفسها , عند الصبح , محاضرة عنوانها ( اصل الكون ونشوء الحياة على الارض ) تحدث فيها عن حيرة الانسان  بقضايا عويصة : متى وجد الكون , كيف , هل له حدود , الى آخره , وردَّ بالقول : استنادا الى نظرية العالم الروسي الكساندر فريدمان , وجد الكون من العدم في لحظة انفجار هائل حدث قبل 15 بليون سنة .

وأعاد  مكي الى الاذهان تساؤلات  مكررة : هل كان الكون حقاً اصغر من الذرة بلايين المرات ؟ ما الذي احدث الانفجار ؟ ماذا  كان  قبله ؟

وردّ  برضى : للفوز بأجوبة مقنعة تُشغَّل المختبرات دون توقف , تُبنى المراكب وتُبعث الى اعماق الفضاء السحيقة , تُنصب المجسات والمراصد العملاقة في مدارات شتى ... وبفضل هذه الجهود المثيرة والمضنية  سنعرف : متى وكيف نشأ الكون  وقامت الحياة  على الارض .

- ولكن لماذا ؟

صوت الشيخ ! التفتُ بفزع . رأيته جالسا في ذات المكان . اوضح والنور يشع من محياه :

- اعذروني . حتى لو عرفتم متى وكيف  نشأ الكون وقامت الحياة , يبقى السؤال المقلق : لمـاذا نشأ ؟ لماذا قامت الحياة ، لماذا اصبح العدم وجودا ؟

استدرنا نحو المحاضر الذي بدا كلاعب تنس بارع في رد الكرة . اوضح بهدوء :

- سؤالك قديم . طرحه سحرة , فلاسفة , انبياء , واجابوا عليه في ازمانهم . احد الذين طرحوه في القرن العشرين  صديقي العزيز ستيفين هوكينغ . وانا شخصياً اعتقد ان الأهم هو السعي لتلطيف الحياة ، تلطيف وجودنا او تحسين ظروف الاستمتاع به .

وكمن يحاور حفيده الذكي سأل الشيخ بمودة :

- كيف تستمتع يا بني بوجود مبهم , تجهل اسبابه وغاياته , وتعجز حتى عن الحفاظ عليه ؟ نحن الموجودون هنا الآن سنموت . كل من في هذه القاعة سيموت , اليس كذلك ؟

رد المحاضر باسماً :

- لكنني استمتع ، مثلاً ، بالموسيقى , رغم جهلي اسباب صناعة آلاتها في البدايات ، رغم جهلي اسرار وتفاصيل صناعتها . لا اعرف مثلا ( اراد الشيخ ان يتكلم ، لوَّح المحاضر بيده مستأذناً الاستطراد في الكلام : ) لا اعرف ، مثلاً ، اي شجرة يستخدم خشبها في صنع الكمان ، لا اعرف من اخترع قوس الكمان ، كم غراماً يزن ، اي حصان يصلح شعره لشد القوس ، وهل اصابع البيانو من عاج ، اي الحيوانات تصلح جلودها للطبول والدفوف ، ما نوع المعادن ...

قاطعه الشيخ بلين :

- مهلاً ، مهلا . لكنك تعرف الغرض من صنع هذي الاشياء ، تعرف انها مصنوعة للأمتاع , وانت قادر على حفظها باجراءات معينة , في حين سيفنى كل من في هذه القاعة حتماً . انت ، انا ، هؤلاء كلهم ...

اشار الشيخ بيده الينا . سمعت طنيناً قرب اذني . اكتفيت بنفض الراس ، لم يعلق احد . تشجع الشيخ على متابعة الحديث بنبرة توفيقية في الظاهر :

- دعوَتُك لتلطيف الوجود صحيحة , لكنها لا تلغي ذلك السؤال الملح : لماذا الوجود ؟ هنا ستضمحل اهمية : متى وجدنا وكيف نشأ الوجود . السؤال : لماذا نشأ , لماذا وجدنا ؟ هل لذلك ضرورة ؟

بقينا نتلفت الى الشيخ والمحاضر كما يفعل مشاهدوا التنس . اطبق سكون كثيف . تنحنح البعض . اوشكت ان اسأل ما إذا كان الوجود نشأ بالصدفة ؟ فتعسر عليّ النطق . قام الشيخ بتؤدة , امتطى عصاه الفضية , وطار من خلال النافذة  الى خارج القاعة .

لم ابلغ رئيس التحرير  , ولا أي شخص , بما حدث  حين افقت من غيبوبتي . خشيت  ان  اصعق  بالكهرباء  مرة  اخرى ,  او اطرد  من العمل .

 

عودة الى الفهرست

***

 

فاشية

 

تحت  نخلة  عجفاء  ,  في  حديقة عامة , جلس على الأرض شاب وسيم . كان  نحيلاً ,  تتدلى من  رقبته لوحة كارتون خط عليها بحروف واضحة كبيرة ( أنا حر ) . لم يكترث به احد عدا طفل تلكأ في السير ليتهجى العبارة :

- أأناا ...

نهرته الأم :

- امشِ , ماذا جرى لك ؟

نظرتْ الى حيث كان ينظر قبل ان تتوقف . كذلك توقف مستطرق بدين ردد بسخرية :

- حُر ؟ حُر ؟

شجع ذلك ألأم على ان تدنو من الشاب . تزايد المحتشدون . استفسر الطفل :

- هذا شحاذ ؟

- لا .

- ماذا مكتوب على اللوحة ؟

جاوبته الأم بصوت خفيض :

- انا حر . يعني ... هيا لنمشِ .

اراد الطفل طرح سؤال , إلا انه رأى سيارة يخرج منها ثلاثة  شرطة شقوا طريقهم وسط المحتشدين بعنف :

- ما هذا ؟

- مخبول .

رد البدين وضحك وحده . علقت ام الطفل :

- ربما اخرس . او سكران ... سكران في الصباح !

وبحركات سريعة خشنة جروا الشاب مع لوحة الكارتون , حشروه داخل سيارتهم وانطلقوا . تابع الطفل السيارة بنظرة مندهشة حتى انعطفت في شارع  فرعي . سأل امه :

- لماذا ؟

- لا ادري .

- ماذا فعل ؟

- لا ادري .

- الى اين اخذوه ؟

 

*

 

وسط حجرة باردة وقف الشاب امام رجل  قصير يجلس على مقعد مخصص لمن يجري استجوابه :

- أخي , ماذا تعني ب " انا حر " , فهّمنا .

ظل الشاب ساهما . جاء من حجرة مجاورة معاون طويل . وقف جنب القصير  وابتسم :

- اسمع . كلنا احرار مثلك . حتى مؤخرتي هذه حرة .

وضحك الاثنان بصخب  . تجمدت ملامح القصير فجأة وهو يسأل :

- ماذا تعني ب " انا حر " ؟

اعاد المعاون السؤال والتفت الى القصير الذي همَّ بالنهوض :

- لا تتعب نفسك سيدي . اراهن انه عضو في منظمة معادية .

- يبدو ذلك .

التمس المعاون القصير وهو يلتهم الشاب بعينين ملتمعتين :

- اتركني معه على انفراد ثلاث دقائق وسترى .

ترك القصير الحجرة . سمع من خلف الباب معاونه يوعز :

- اخلع سروالك يا حر .

وتقدم  منه ,  جرده بسرعة من كل الثياب وابقى لوحة ( انا حر ) معلقة بالرقبة . حدق ملياً في وجهه الوسيم وبرك على الأرض , احاط براحتيه الناعمتين ... المرتخي , دعكه , قبّله , لعقه بلسانه اللزج وهو يلهث من الانفعال والنشوة ...

فتح القصير الباب وتنحنح . نهض المعاون  وترك الحجرة محتقن الوجه . مضى القصير بخطوات عجلى الى الشاب , احتضنه من الوراء , وضغط ... على المؤخرة . كانت انفاسه الحارة تترى , لافحة  كتف  الشاب  الذي نزع  لوحة  ( انا حر )  وعلقها  بذراع المقعد , ثم جثا على الركبتين , وأخذ يحبو ويمعمع كخروف على وشك الذبح : ماع ماع ماع ...

 

*

 

حالما اصبح الطفل بالبيت روى لأبيه ما رآه في المدينة :

- سكران اخذوه الشرطة بالسيارة ( والتفت الى الأم ) ماذا كان مكتوب على لوحة الكارتون ؟

- قلت لك الف مرة ( انا حر ) ... ولا تسألني ماذا تعني . لا تشغل بالك في هذه الامور . مازلت صغيرا .

طوى الأب صحيفة المساء , وقال :

- الحرية تعني ... ( وبعد تفكير طويل استدرك ) عندما تكبر ستفهم معناها . اذهب الآن والعب في الحديقة مع اختك .

لم يبرح الطفل مكانه :

- قولوا فقط ,  هل هي كلمة سيئة ام ليست سيئة ؟

- طبعاً ليست سيئة . هيا اذهب الى الحديقة .

ابتعد خطوات ، ثم رجع  وفي فمه اسئلة آخرى .

 

عودة الى الفهرست

***

 

بغداد ، طهران ، ستوكهولم

 

ســلَّم  قيس الباسبورت الى شرطة المطار طالباً اللجوء السياسي . اقتيد الى غرفة حقق  فيها معه رجلان بمساعدة مترجم كردي . بعد ساعتين ارسلوه بالسيارة الى معسكر في ضواحي ستوكهولم . تعانق بحرارة  مع اصدقاء عراقيين من بغداد , وابلغهم اّخر نبأ :

- قررت الحكومة منع اتصال المعارضين في الخارج بأهلهم تلفونياً خشية تسرب المعلومات .

سأله احدهم :

- الم تتصل بأهلك من طهران ؟

- اتصلت , فهدموا بيتنا . كلما اتصل يهدمون بيتنا . لذلك رجوت  عمي التاجر , يقيم في عمّان , ابلاغ الأهل اننا سنتحدث من الآن فصاعدا بالشفرة . اذا قلت  " انا زهير "   يعني ذلك انا قيس . واذا قلت " انا في بيتي الجديد " يعني ذلك انني وصلت ستوكهولم . اما " البيت العتيق " فيعني طهران .

اعجب الجميع  بهذا الأجراء الاحترازي , وسمحوا  أن يتلفن من عندهم ليزف  بشرى سلامة الوصول . ردت امه العجوز :

- هلو ؟

تبسَّم وسألها  بصوت مرتفع :

- كيف الحال ؟

جاوبت باحتراس :

- بخير. من يتكلم ؟

قال وهو يغالب الضحك :

- زهير .

سألت الأم بخوف :

- أي  زهير ؟!

- زهير  زهير  .

تعرفتْ على صوته فصاحت :

- ابني قيس !

قطب الجبين ورد بنبرة ذات مغزى ليذكّرها بالاتفاق :

- لا . زهير  زهير .

قالت بتلعثم :

- اعرف  ابني . افتهمت . سيغمى عليَّ من الفرح .

سمعها  تنادي  الوالد  بعجلة (  قيس , قيس على التلفون ) وتستأنف طرح الاسئلة :

- من اين تتكلم ؟

- من البيت الجديد .

- الحمد لله  . متى ؟

- اليوم . قبل ساعات .

- واختك ؟

- هناك .

- اريد احكي معها . اين هي ؟

- هناك , بالبيت العتيق .

- لماذا ؟

- كان يجب ان انتقل وحدي اولاً .

بعد فترة صمت قصيرة سألت بشك :

- ألم تذكر لنا انكم ستتركون طهران سوية وتسافرون سوية الى السويد  ؟

زعق بعصبية :

- ليس السويد . انا لست في السويد . واختي ليست في طهران .

- لا تخبلني يا قيس . اعوذ بالله من الشيطان الرجيم . انت الاّن قلت انك بالبيت الجديد .

- نعم , بالبيت الجديد . بالبيت الجديد .

- وماذا قلت انا يا ابني ؟

سكت قيس وهو يتطلع بحيرة  في عيون رفاقه المستفهمة ، لا يدري كيف يخرج من الورطة . استفسرت الأم بقلق :

- لماذا سكت ؟

- لا شئ .

- قل لي بصراحة , ماذا حدث لأختك ؟

- لا شئ . انها بخير .

- لماذا بقت في طهران , فهّمني .

همس بغيظ :

- ليست في طهران . هي بالبيت العتيق , بالبيت العتيق .

همست امه ايضاً :

- ادري ابني . لم اخرف بعد . اتفقنا ان البيت العتيق يعني طهران , والجديد يعني السويد , اليس كذلك ؟

سمع  والده  يزجرها :

- اسكتي . لا تقولي ايران وسويد ، ولا قيس !

قهقهت الأم باعتذار :

- وي نسيت ! العفو ابني قيس ( قهقهت مرة اخرى ) اووي , العفو ابني , العفو.

ضحك الأبن وقال باستسلام :

- انتِ على حق ماما . انا قيس . والبيت الجديد ( زفر وتساءل ) كيف حالكم ؟

 

عودة الى الفهرست

***

 

الغريب

 

سينتظر , مدى الحياة , ذلك الغريب الذي احتال عليه . نسي اين رآه ومتى . ربما  في  شارع  , او ردهة سجن , او محطة قطارات ... قال  بعجلة وارتباك , كمن يوْدِع حقيبة :

- كُنْ انا ارجوك , سأرجع حالاً .

لكنه اختفى بين حشود الناس ولم يرجع .

هكذا تورط بمهمة شاقة ,  غامضة : ان يمارس حياة لا تخصه . وهو يتفرج الآن باندهاش على ما يجري ؛ يُعاقَب على اخطاء لم يرتكبها , يُعشق , يُهان , يُكافأ , يُطارَد ... يجري له كل ذلك  نيابة عن شخص لا يعرفه ,  قال : كن انا , سأرجع  حالا ... ولم يرجع .

 

عودة الى الفهرست

***

 

الانهيار - مسرحية ضد الخوف

( مهداة الى جواد و ليلى )

ترتفع الستارة .  يخرج  من الظلام  شيخ بيده مصباح . يضئ  بقعة  في الوسط . يبرز شاب مقرفص كهيكل عظمي . يلتفت الشيخ الى الجمهور :

- هذا بقايا انسان . كان مثالا للشجاعة . نفّذ مهمات ثورية مع رفيق اعدم في ظروف ملتبسة . اما هو فقد فر الى خارج الوطن . نجا , لكنه وقع في قبضة الخوف واليأس  والأوهام . كل  واحد  معرض  لهذا المصير هناك . انها مسألة وقت وحظ .

يلتفت الى الشاب الذي يبدو عليه الوهن , ويرجع الى الجمهور  :

- استمعوا  الى  ما  يقول . ربما  هو يهذي , او ... اسألوه انتم ماذا حدث .

ينهض الشاب كالملدوغ فيما يترك الشيخ المنصة :

- لا . لا تسألوني ارجوكم . لا تجبروني على الكلام . دعوني هكذا . دعوني احسب قطرات الدماء  والدموع  والمطر , قطرة قطرة . دعوني احسب - بدقة - حبات رمل  الصحارى  والشواطئ . انا  لا افيد . لا نفع فيّ . انا حطام معركة  مات  فيها الرابح  , والمهزوم  بقي . لا تسألوني كيف , ولا تخافوا . انا محض  صفر . كسّروا  راسي إن  فكرتُ ضدكم . لن ابوح بشئ . سأكوي لساني لو نطقت .  سأحشو فمي بالتبن واسكت مدى الحياة . أسكتُ كالحمار . غسلتم دماغي بالخوف  واشكركم , اشكركم , اشكركم . هل شممتم  رائحة الخوف  من الموت ؟ اصفها ؟  انها تنبعث من جسدي : باردة , ملساء ,  صلدة ، شاحبة  ... لا تجبروني على الكلام ارجوكم . لا تسألوني . لا توقظوا  ذاكرتي  المخدرة بالدخان  والخمر  والموسيقى . انا لغم ساكن , مُهمل ,  صدئ ,  لا تهديد فيه ما لم يُمس بأصبع الضمير . عفوا . انا امزح فحسب . لن اعترض طريقكم . دعوني هنا . دعوني  مسترخياً  في  تابوت  القناعة  . الانسان  يولد مرة واحدة . مرة واحدة . واحدة فقط . لماذا  يموت  الف  مرة  ؟  لا تجبروني على الكلام ارجوكم . ما اراه لا يعنيني . لا  الفقر  ولا  الغنى  .  لا  الجبن  ولا  الشجاعة . لا القبح ... دعوني آكل آيس كريم في المقاهي والشوارع واتفرج  . لا يهمني إن اشرقت شمسنا ليلاً من الغرب , او غابت فجراً . لا يهمني إن  دارت الارض بالعكس , إن عوى الكناري وغرد الجمل . الله  قادر على  كل  شئ . بعونه سأرجع الى رحم امي ، أغلق فرجها واغفو . لا توقظوني . قد ازعجكم  بالنواح  والمخاط  والقئ . قد تفلت الحقيقة  كالبصقة من فمي ( يهم بالبصق على الجمهور فيبصق على الارض , ويستدرك : ) عفواً ، لا تصدقوني . لا اتحداكم . انا  خرقة . طري  كخيط . راكد كمستنقع . لا اهتزاز . لا تشنج , لا انفعال . لا شئ . لا شئ . انا مرتاح . لا ابكي . هذه قطرات ندى . سأمسحها . انظروا . انا حقا لا ابكي . ولماذا ابكي ؟ ها انا اضحك ها ها ها ها ها ها . اترون ؟ اضحك ها ها ها . هذه  الدموع  تنهمر  بفعل  الضحك . الا  يحصل هذا  لكم ؟

يرفع العينين الى السماء ويهمس :

- يا رب . قل لهم انت ما قصتي وابعث ملائكة النجدة . انا ارتعد خوفاً .

 

تهبط الستارة . يصاب الجمهور بالوجوم برهة قبل ان يصفق . ترتفع الستارة . المنصة خالية . التصفيق يتعالى . الممثل يبكي خلف الكواليس وحده .

 

عودة الى الفهرست

***

 

 

خطوط التماس

 

آخر رسالة تلقيتها من ابي تقول : بكيت من الفرح حين علمت انك اكملت دراسة الفلسفة بتفوق . أُقدّر لهفتك الينا والى الوطن , لكنني خائف عليك من الرجوع . جِدْ لك مكانا آمن الى ان يفرجها الله .

دخلتُ محطة قطار براغ الرئيسية مساءً . اودعت حقيبتي في محل حفظ الأمتعة وتوجهت الى المطعم . كنت بحاجة الى شراب يرخي توتري . انتقيت مائدة خالية جنب الحائط . لوحت بيدي للنادل فجاء مسرعاً . طلبت قدح كونياك قرغيزي مع صودا باردة , وانغمرت في كتابة رسالة الى ابي : وقد امنح حق اللجوء السياسي في النمسا ...

- ما الذي تكتب ؟

رفعت رأسي . عجوز سكران , لا ادري متى جلس قبالتي . قررت تجاهله . ابتسم بلطف :

- العفو . ارجو ان لا اكون متطفلاً . اثارت فضولي شخابيطك على الورقة .

لويت عنقي دون تعليق  وتظاهرت باستئناف الكتابة . سأل :

- حضرتك عربي ؟

تطلعت فيه بحنق وكذبت :

- لا .

- ايطالي ؟

- لا .

- ولكنك اجنبي .

اومأت بالايجاب . تفحصني بابتسامة غضّنت وجهه الملئ بالتجاعيد , وسأل :

- من اين ؟

قلت بسري ( افضل طريقة لقطع الحوار معه هو اختراع اسم دولة وهمية ) :

- برياني .

استوحيت الأسم من اكلة عراقية كيلا انساه لو سألني عنه ثانية بعد حين . وفعلا , رجاني ان اكتب اسم هذه الدولة (  بلادي ! ) على علبة سجائره . كتبت  ( BRYANY ) ودفعت العلبة اليه . اخرج هو في هذه الأثناء  نظارة من جيب السترة , ثبتها بعناية على انف ضخم وقرأ بصوت مسموع ( ب ر ي ا ن ي ) واضاف كمن تذكر معلومة مألوفة لديه ( آ , اجل برياني ! ) وأعاد النظارة بهدوء الى الجيب , وقال :

- لكم انا ابله يا ربي . كيف لم اعرف  منذ الوهلة  الاولى برياني . زارها جوزيف مرتين .

ودخل من ( برياني ) الى ما يتوق للتحدث عنه :

- جوزيف صديقي .  احسن اصدقائي بالاحرى .  يكبرني عشرين سنة . قد يبدو حتى الان اصغر مني . انا عمري 79 , لكنني مازلت متفائلا , احب الاختلاط , اثق بالناس . ربما لأنني قروي . من نفس قرية جوزيف ... من ناتوليتسه . مات فيها ابي قبل ستين سنة . وماتت امي في الشهر التالي . انتقلتُ الى براغ وبرنو ومدن اخرى لدراسة الطيران العسكري . تزوجت بعد فترة وجيزة من يارميلا . عزيزتي يارميلا , انجبت لي ولدين وبنتا . منذ ذلك الوقت لم ار جوزيف . غير اني بدأت اراه  في منامي  يقول برقة : مارتين , حزنت لموت زوجتك الغالية يارميلا ... دع  دار العجزة  وتعال . ستسكن معي . نتقاسم  رغيف  الخبز وقدح النبيذ ,  ونستعيد  امجادنا الخوالي . وها انا ذاهب اليه اخيرا . هربت اليوم من الدار . اولادي الأوغاد يظنون  انني  مخرف . سأريهم  ما بوسع طيار خرف ان يفعل . سأرجع الى مسقط رأسي , سأعيش معززاً بين اصدقاء الطفولة والمعارف . أي لقاء مدهش  سيكون بيني وبين جوزيف . اعرف انه سيأخذني كالعادة لصيد السمك , وللسبح عراة في البحيرة , ولجمع الفطر من الغابات . جوزيف مهووس بجمع الفطر . مهووس بجمع النساء ايضا ! . جوزيف ، حينما يرى فتاة حلوة يردد بأسى ( لماذا يشيخ الجسد , والروح فتية ماتزال ؟ ) هه , سيطير فرحاً عندما انبع له كالجن بعد ستين سنة . لا احد يحبني ويفهمني مثله . لا احد يغفر لي اخطائي مثله . ولا احد يحتملني مثله ... آخ جوزيف جوزيف جوزيف .

 

شربتُ ثالث قدح كونياك وطلبت الرابع . انتهى هو من شرب قدح بيرته وتوقف عن الكلام . هل اسأله مزيدا من التفاصيل عن الطفولة  والقرية  وجوزيف ؟  سيسره  التحدث عن ذلك  الماضي البعيد . وقبل ان اطرح سؤالي  نظر الى ساعة يده , وقال :

- حان موعد القطار .

دفع الحساب ونهض مستعينا بالمائدة . صافحني وقبّل رأسي . تابعته وهو يغادر المطعم بخطوات قصيرة مترنحة . فكرت : ماذا سيفعل إن لم يجد جوزيف على قيد الحياة ؟ وستكون محنته اسوأ لو استقبله بفتور ... سيموت المسكين كمدا . بلعت كاس الكونياك دفعة واحدة وقلت لنفسي : نحن كذلك مساكين . السكارى والاتقياء مساكين . هذي السيدة التي تتثائب مسكينة . ذاك الرجل الذي يتمخط مسكين . انا مسكين ... كل واحد منا يُخلق في لحظة متعة , ثم يشقى طول حياته بحثا عن خبز ومأوى وحنان وعدالة مفقودة ...

- انتباه انتباه !

صحّاني المذيع يعلن قرب موعد انطلاق قطاري . قلت للنادل وانا ادفع الحساب :

- لا عدالة الا في مملكة برياني .

اسقطَ نظرة ذات مغزى على قدح الكونياك الفارغ , وسألني بهزل :

- حقا ؟ ومن اين السيد ؟

تذكرت العجوز وابتسمت :

- من بغداد .

كدت اضيف : لا استطيع الرجوع الى بغداد , فارتعشت في عيني دمعة منعتني من الكلام .

وفي الطريق الى رصيف رقم واحد , ولدت في ذهني عبارة قررت جعلها خاتمة لرسالتي الى ابي . وضعت الحقيبة على الارض , اخرجت من جيب سروالي دفتر ملاحظات صغيرا وكتبت : ذرفت دمعة , خلتها ستغرق الكون , لكنها بللت خدي فقط .

 

ارتج القطار مرتين , ثم صفر ، وتحرك : تشوك ..... تشوك .... تشوك ... تشوك .. تشوك ، طووووووط  طووووووط  طووووووط .

 

نعست ، كما لو انني في احضان مهد تهزه امي بايقاع رتيب . صحتُ في الخيال ( جاسم , حماده , سليمان . تعالوا نلعب قطار ) ... اصطف الجميع خلفي , كل واحد  منهم يمسك الثاني من ظهر دشداشته , مقلدين القطار : طوووووط  تشوك  تشوك  تشوك ...

- باسبورت .

فتحت عيوني . اخرجت بتثاقل من جيب السترة الباسبورت  وناولته الى شرطي كان يقف عند باب الحجرة . تصفح اوراقه وسأل :

- الى اين ؟

- فيينا .

ختم الباسبورت واعاده لي . اغمضت عيوني ثانية , وفكرت : سأكتب لأبي انني الان مثل قطار بعربة واحدة , تُسيّره المصادفات على سكك متشابكة , معقدة , لا يمكن الحياد عنها , لا تنتهي بمحطة اخيرة ...

 

اخذ قطاري  يجتاز بغداد  على مهل . هتفت بدهشة وفرح وقلق ( هذي بغداد ! ) ثم لمحت ابي على الرصيف يهمس للعجوز الذي قابلته في مطعم محطة براغ ( وَلَدُنا في هذا القطار ) . اسدلت ستارة النافذة بسرعة وحاولت النوم . ايقظني صرير العجلات مختلطا بصوت ينادي " هيا مارسيل , هذه فيينا " . شعرت  بالراحة  والحزن معا . كنت احلم . لكنني تساءلت وانا ادفع بالساق حقيبتي في ممر مكتظ بالمسافرين : اهربُ من واقع اليقظة ام من  رؤى  المنام ؟ لا منطق في الأثنين . وانا في  حال  هروب  دائم  منهما , او من  احدهما  الى  الاخر  بالتعاقب ... سأكتب هذا ايضا الى ابي ...

- كل الفلاسفة يكلمون انفسهم هكذا ؟!

التفتُ . آ , انه يوسف , فلسطيني كان يدرس معي  في براغ .

 

عودة الى الفهرست

***

 

العاقل

 

جال بصره في ارجاء الغرفة بانتباه . هو يعرف جيدا ان ما يبحث عنه غير موجود هنا . غير موجود على الاطلاق . بل لعله لم يوجد ... او انه لم يكن يبحث في الواقع عن أي شئ ؟

اغمض عينا  وأخذ يصف ما يراه بالاخرى :

- هذا مشط اسود , بعض اسنانه مثلومة . هذه علبة بسكويت . هناك جريدة ، دمية بحجم رضيع , كتاب سياسي ممزق الغلاف , وآخ  آخ  آخ .

فتح عينيه . كاد يجهش بالبكاء . قال بلوعة وعدة مرات ( آخ ) ثم تساءل :

- عن أي شئ كنت ابحث ؟

جفف عرق الجبين بكم الثوب , وصاح بأعلى صوت :

- يا الهي , لماذا تعذبني هكذا ؟ هل انا لقلق ام حمار وحشي ؟

ضحك . فلتت العبارة الاخيرة عفوا فضحك . مضى الى الحمام ليرش وجهه بالماء البارد :

- هيا , انظر باشمئزاز الى وجهك المتورم في المرآة .

تظاهر بأنه يبكي . اراد ان يرى كيف يبدو :

- لكم انا قبيح .

تمخط  بورق  التواليت :

- كم واحدا بمثل هذي الحالة ؟ طز على الجميع . الارض ستستمر في الدوران بدونكم ... وقد تكون هذه هي المشكلة بالذات يا عظماء !

جلس على المقعد . لم يخلع بنطاله . اشعل سيجارة من جهة الفلتر خطأً واطفأها في المنفضة . تعمد اشعال اخرى من جهة الفلتر واطفأها  في بطن الكف . انتشرت في الجو رائحة كريهة . رائحة لحم يحترق . قال باستهزاء :

- اذن فأنا موجود !

حك بعود الثقاب انفه :

- انا خروف برجوازي مشوي .

تأمل اثر الحرق . احس بتعب مفاجئ :

- لماذا تفعل كل هذا بنفسك يا ولدي ؟

نهض بصعوبة :

- قم , لنذهب الى الصالون وقل لي ماذا  تحتاج . لنتفاهم . ألم اوفر لك ما تتمناه ؟ ماذا تريد مني بعد ؟ قل فقط . ماذا ؟ ماذا تريد ؟

 

عودة الى الفهرست

***

 

التراجع الى خط الدفاع الاخير

 

شتاء بارد . هما عراة وسكارى , على سرير ضيق , داخل غرفة جيدة التدفئة في بيت الطلبة \ فيترنيك .

- بماذا تفكر ؟

يتوقع هذا السؤال التقليدي من كل فتاة جديدة ما ان يسود الصمت بينهما لحظات . قال :

- بأمي .

- ما بها ؟ مريضة ؟

سألته بتعاطف . فكر طويلا قبل ان يجيب :

- اتمنى لو ارجع الى بطنها .

رفعت الراس من الوسادة , تفحصت وجهه باستغراب  , وعادت الى وضعها الاول لتعلق بلهجة مشاكسة :

- ارجع . ما الذي يمنعك . الحجم ؟

- ولكني حقا اريد ان ارجع . لماذا اخرج ؟

بأسى قال ذلك . علقت هي بتندر لا يستفز :

- كيف ستتسع امك المسكينة  لطفل اصبح بحجم البعير ؟  اين هي الان ؟ معك في براغ ؟

تذكر امه وابتسم :

- اوووه . بعيدة . في بغداد . بعيدة جدا . صارت عجوزاً . كانت حلوة في شبابها . حلوة مثلك . كم عمر الآنسة ؟

- 25 سنة . سأصبح  25 سنة بعد شهر واربعة ايام ... والسيد ؟

- اكبرك بسنتين . ادرس صحافة . واحبك .

- بهذه السرعة ؟

- نحن متقاربان في السن والاختصاص والعواطف .

- هراء . انا لا احبك . ابدو اكبر من سني . ولست اكثر من بائعة صحف وكتب .

- لايهم . النتيجة واحدة . ايصال المعرفة والمعلومات والعواطف للاخرين . اليس كذلك ؟

اشعلت سيجارتها من لهيب الشمعة , وقالت :

- علي . اسمك علي ؟

- علي .

يعجبني اسمك . انت شيوعي يا علي ؟

- اسوأ .

ضحكت وسألته :

- هل سيسمح لك الحزب بالعودة الى بطن امك ؟

سره السؤال . رد باسما :

- قلت لك في المرقص انني شيوعي سئ ومشاغب . لذا اعتقد ان الحزب سيفرح لو عدت . لعله يساعدني لأفعل ذلك .

اضحكها الجواب . فكر : سأحدِّث مسؤولي غدا بحواري الطريف مع ههذه البنت .  سيضحك هو ايضا على  الجواب ... ام انه سيوبخني ؟

- سؤال اخير .

- اسمعي ...

اكتشف انه يجهل اسمها . ربما نسيه . قالت بلا احتجاج وهي تطفئ سيجارتها في صحن فنجان القهوة :

- فيرونيكا .

- اسمعي فيرونيكا . فيرونيكا . اسمك صعب .

- بل انت سكران . نبيذ المرقص اضعف ذاكرتك .

- افرطنا في الشرب .

- ماذا كنت تريد ان تقول ؟

- اقول ؟ ها , حقا , اريد ان لا تسأليني بماذا افكر .

- كما تشاء .

- يزعجني هذا السؤال كثيرا ( واضاف بالعربية ) يا الهي ارجوك ان ترجعني الى بطن امي ناجية بنت الشيخ شكر الله .

- باتولومي جي شولالا .

قلدت باستنكار نبرة كلامه . ضحكا سوية وتعانقا بعنف وحرارة . تعهد بأن لا يتكلم العربية مرة اخرى . قال :

-  كان هذا شخصا آخر يتكلم . يلح بالرجوع الى بطن امه . حضرتي اشخاص عدة مختلفين فيما بينهم حول لا شئ .

- يحق لي طبعا ان اعرف مع من انا ايها الثوري الشيزوفريني ؟

- معي . مع احسنهم ( واستدرك بموضوعية كدرته ) او ربما العكس . لا ادري .

- من يدري اذن ؟

- تجاهلي الجميع ونامي . هيا . نعستِ . يستحسن ان تنامي . لنرجئ ثرثرتنا الى غد . دعيني انام . نامي انت ايضا . تعبنا. عيونك اصبحت صغيرة وحمراء كالنبيذ .

اغمضت عينيها , وقالت :

- متى غادرنا المرقص ؟

- قبل ثلاث او اربع ساعات . ولا تسأليني ثانية بماذا افكر ارجوك .

- لا .

- تصبحين على خير .

- احلام سعيدة .

سمعها تتثائب وتناديه بصوت خفيض :

- علي .

- ماذا ؟

- كيف سيتبدل الواقع الى الأحسن لو فر الجميع الى بطون أمهاتهم ؟

باغته السؤال الجدي . تحفز للرد , لكنها غفت بسرعة على ساعده . ربما تأخر هو كثيرا في تهيئة الرد . سحب ساعده من تحت راسها باحتراس ، طبع قبلة على عنقها الدافئ ، وهو يهمس :

- نامي .

اطفأ الشمعة بنفخة ونام . رأى حلما ايقظه بعد قليل . رأى شخصا مألوف الملامح يغرس نصل خنجر في بطن امه وهي مستسلمة , لا تقاوم .

 

عودة الى الفهرست

***

 

 

عصيان

 

صفعتني اليد اليمنى . كنت اطالع جريدة المساء حين صفعتني . لم اكن اتوقع ذلك . جفلتُ وكاد قلبي يتوقف . طبيبي قال بعدئذ :

- اليد , كأي عضو آخر في الجسم , تتلقى الايعازات من الدماغ , فهو الذي يوعز لها بالانقباض والانبساط  والصفع  ايضا .

الا انني , او دماغي بالاحرى , لم يوعز لها بصفعي . كيف فعلت ذلك اذن ؟ هل هي تتمرد مثلما يتمرد خادم على سيده ؟

بسطتها على مهل وقبضتها عدة مرات . بدت كأخطبوط صغير . احضرت مسطرة  وقست  ابعادها : من الرسغ  الى نهاية البنصر 17 سم . طول الابهام 6 سم . الخنصر 4 سم . عرض الكف 7 سم . تأملت الراحة فوجدت فيها عدة خطوط , ثلاثة منها رئيسية واضحة , ويبدأ احدها من الشمال صاعداً باتجاه اليمين ...

 

فيما كنت مستغرقا في تأمل الخطوط اخذت اليد ترتفع  مقتربة من وجهي . خمنتُ انني  قد اتلقى صفعة . اوعزت  اليها  ان  تنقبض  وترتاح  على حافة المائدة . امتثلتْ للايعاز . لكنها تململت بعد قليل . تحركت باتجاه وجهي . تابعتها بارتياب حتى استقرت فوق الخد الأيمن . داعَبَتْه بخشونة ، قرصتْ  الشفتين ، جرّت الأذن ، نتفت الحاجب ... اوعزت اليها بالابتعاد فورا عن الوجه فصفعتني بقوة . انتفضتُ وامسكتها باليد اليسرى . افلحتْ في التملص والوقوف على اطراف رؤوس الأصابع فوق المائدة . اخذت تنقر سطحها بعصبية . ولئلا تعاود صفعي اوثقتها بحزام البنطال الى ساق المائدة , وتلفنت باليد اليسرى الى الطبيب :

- ارجوك احضر حالا . سترتكب يدي حماقة . قد تخنقني او تطعنني بسكين او تفقأ عيني . فقدتُ السيطرة عليها . انني وحيد في البيت . الزوجة في العمل والابناء في المدارس . ارجوك احضر حالا . اخشى ان تتواطأ يدي اليسرى وتحل الحزام .

هرع الطبيب على رأس فريق من ممرضين اشداء , كسروا باب البيت بعدما يئسوا من فتحه . اندفعوا  الى الداخل فوجدوني اعض اليد اليسرى المدماة لمنعها من تحرير اليد اليمنى . وبمشقة قيدوا اليدين قبل ان تفتكا بي .

بعد علاج  طويل ومركز في مستشفى الامراض العصبية \ زرق ابر , بلع اقراص , صعقات كهربائية , شفيت تماما . صارت يداي تطاوعاني كالسابق وتلبيان ايعازاتي دون ابطاء .

وها انني عدت مجددا لمزاولة تدوين مذكراتي باليد نفسها , محاولاً وصف تلك التجربة المرة , الغريبة : لعل اليد اهم عضو بعد الدماغ . او كما قال دارون في معرض حديثه عن تطور القرد الى انسان , او او او كما قال انجلس ... ستوب . انهض . اريد سكين المطبخ !

 

عودة الى الفهرست

***

 

السؤال والمرآة

 

خرجتُ  من السوبرماركت  مع أكياس مشترياتي لمناسبة الأحتفال بالعام الجديد .

تصدت لي فتاة تمسك بيدها دفترا , سألتني بحيوية  :

- هل تدخن  ؟

ادركتُ ان الموضوع يتعلق بأستقصاء , قلت :

- احياناً .

سرها جوابي  :

- عظيم .. كم عمرك ؟

- 50 سنة .

ارتسمت خيبة على محياها  :

- آسفة .. انك اكبر قليلا من المطلوب .

شعرتُ بالأحباط  فاستدركت مساوما :

- واذا  49 ؟

- لا , هذا ايضا كثير .

 

وتركتني مسرعة الى شاب خرج للتو من السوبرماركت . في الطريق  فكرت  بفرح  مصدّع : لا شك  انني ابدو اصغر من عمري . كان  يجب ان  اسألها عن  اعمار الذين يشملهم الأستقصاء  . ليس العشرينات بالتأكيد , ولا الثلاثينات . كان يجب ان اسألها . لكنني سأبلغ زوجتي والمعارف انه كان يشمل من هم دون الأربعين ... اي انها اخطأت بعشــر ســنين على الأقل !

وضعتُ أكياس مشترياتي فوق مائدة المطبخ وهرعت الى مرآة الحمام  متفحصا وجهي . رأيت ملامح الشيخوخة واضحة . تمتمتُ بيأس : لا أدري . ورجعت متجهما الى المطبخ لأفرغ محتويات الأكياس في الثلاجة .

لم اعد ارغب , منذ سنتين , في التطلع الى وجهي . بدأتُ اتحاشى التطلع اليه في اثناء التمشيط  او الحلاقة . صرت  أزوغ عن تجاعيد الجبهة وترهل الجفنين  واحمرار الأنف .

اشعلتُ سيجارة وأنا واقف عند الشباك متأملا اطفال الحارة  يلهون بالتزلج على جليد الرابية  : تُرى ماذا كنت سأفعل لو افقت من النوم قبل عشرين سنة ورأيت وجهي في المرآة كما يبدو الآن ؟ لا شك انني  كنت سأصاب بالفزع وأنكره ... لكن مهلا مهلا . كيف سيبدو بعد عشرين سنة ؟

سحقتُ السيجارة في المنفظة واشعلت اخرى  :

- اسمعْ . ليس مهماً كم عمرك , بل ماذا انجزت  ؟

قلت بغضب  وتوجهت الى المائدة   :

- تعال اجلس هنا امامي لنتحاسب  !

 

عودة الى الفهرست

***

 

الجواب

 

كان ياما كان في قديم العصر وسالف الزمان , كان شيخ بهي الطلعة يجلس مع ابنائه الثلاثة حول موقد في ليلة شتاء قارس . سأله اكبرهم سناً عن اسباب السعادة ومغزى الوجود وجدواه , فأطرق رأسه ، وقال : كان ياما كان في قديم العصر وسالف الزمان , كان شيخ بهي الطلعة يجلس مع ابنائه الثلاثة حول موقد في ليلة شتاء قارس . سأله اكبرهم سناً عن  اسباب  السعادة  ومغزى  الوجود وجدواه , فأطرق رأسه ، وقال ...

 

***

 

ما يحدث وما لا يحدث ...

 

اشتريت من شحاذ عجوز في بغداد ( تحقيق الأحلام ) لمؤلف مجهول من القرن الرابع الهجري \ العاشر ميلادي . لم اقرأ الكتاب . قرأت قصاصة ورق صفراء مدسوسة بين الصفحات الخمسين ، كان  نصها مدون بحبر ارجواني فاتح , وبخط  يد ردئ :

بسم الله الرحمن الرحيم

هو الحي الخلاق

وبعد , السعادة تكمن في الغاء الحواجز بين الصحو والحلم . الاثنان فَلْقتا واقع مشترك خارج الأرادة . لا صحو وحده ولا حلم . يتداخل بينهما ما يحدث في الأثنين . لا نميز نحن - ولا ينبغي - ما يحدث في الصحو عما يحدث في الحلم . هذا الواقع المعاش , الهجين - بحلوه ومره  -  هو حصيلة تزاوج الصحو والحلم , مع بعض الجنون الرشيد .

عرضتُ القصاصة في حينها على زميلي استاذ  لقمان , المختص بالتراث والفكر الاسلاميين في جامعة المستنصرية  . رجّح ان تكون لأبن عربي او منصور الحلاج . استبعدت انا ذلك . تبدو صياغة النص معاصرة , بلا سجع او اطناب او مواعظ . ابلغت  لقمان رأيي , فقال :

- اختلاط ما نراه في الصحو بما نراه في الحلم  ناتج  عن قسوة ...

ولم يكمل الجملة كالعادة . سكتَ لحظتين , واستدرك :

- او هو الذي يجعلنا قادرين على تَجَشُّم ...

ولم يكمل . سكت مرة اخرى ليستفسر فوراً :

- اتعاني من قسوة الحياة ؟

- انا ؟ لا ( قلت )  لا , لا ادري ( وسألت  باستغراب )  ما  علاقة  ذلك بالقصاصة ؟

تنحنح وجاوبني :

- ما حدث مثل ما لم يحدث . انهما سواء . كالماضي والحلم وكذلك ... مع ان هذا موضوع آخر إلا ان ...

ولم يكمل . لقمان على حق . تذكرت سفراتي المثيرة الى سمرقند , بكين , موسكو , اثينا , استنبول , قاهرة  , مراكش , حجاز , صنعاء , قدس ... وفي كل مرة اعود مردداً : " ها انت وحدك مرة اخرى وكأنك لم تسافر "*.

 

تذكرت قصة حبي الصاخب لسهى ايام الدراسة في براغ . قصة حدثت فعلاً . ومع ذلك يمكن التساؤل : ما الفرق الآن بينها وبين قصص حب لم تحدث ؛ يخترعها خيالي ؟

- خذ .

اعاد لي الزميل لقمان قصاصة الورق  ونصح أن احتفظ بها في مكان أمين . ثم تطلع الى ساعة يده وهمس باعتذار :

- عفواً , طلبتي ينتظرون . الى اللقاء .

بعد تقاعده زارني لقمان . لم يتذكر أي كلمة من حوارنا . فتشتُ في كل انحاء بيتي عن ( تحقيق الأحلام ) فلم اجده . ولم اجد بالطبع قصاصة الورق التي تركتها بين الصفحات الخمسين . لكن ما حيرني هو اختفاء اسم أستاذ لقمان من سجل الجامعة . حين سألت مدير الأدارة  لماذا , جاوبني مازحاً :

- أوه , لقمان الحكيم . مات منذ آلاف ...

ولم يكمل الجملة . ترك الموضوع دون ايضاح جدي .

 

* بيت من قصيدة للشاعر سعدي يوسف .

 

عودة الى الفهرست

***

 

 

في انتظار ما لن يحدث

 

فشل حليم في ايجاد خاتمة لقصته الجديدة . تغدى في المطبخ سمكاً بدون شهية . لبس المعطف وخرج . اخذ يدخن ويتمشى في الطرقات . وصل بيت اخته . كان وعد طفلها علي برسم خارطة العراق . قلّب تحت الضوء دفتر جغرافيا رث الحواشي . قرأ في هامشِ احدى الصفحات  عبارةً  بخط  ركيك : ( الحياة انتظار طويل الى شئ لن يحدث ابداً ) . فتح الدفتر على الطاولة وعيّن بالأصبع :

- من كتب هذي العبارة ؟

احنى علي رأسه فوق الدفتر برهة ، وأجاب :

- انا .

ضحك حليم وجرّه من الشعر ملاطفاً :

- اقصد لمن هذي العبارة ؟

- لي .

- انت كتبتها ؟!

- نعم .

ولأزالة سوء الفهم جلس في جواره وصاغ السؤال على نحو اوضح :

- ألم تنقلها عن كتاب ... مجلة , صحيفة ؟

- لأ .

- تعني ... خطرت في بالك .. وكتبتها ؟

- نعم .

- طيب , وماذا تقصد ، ما معنى العبارة ؟

غاصت رقبة علي النحيلة بين كتفيه وابتسم بحياء :

- هكذا , لا ادري .

دوّن حليم نص العبارة في مفكرة .  اوشك فيما بعد , مرات عديدة , على نسبها لنفسه ( مادام صاحبها طفلا في العاشرة ! ) ... ولكنه خاف  ( لا بد  ان  يكون  صاحب عبارة  كهذي  شاعرا  او كاتبا معروفا . لعله شكسبير , بكيت , رامبو , او دوستويوفسكي ) لذلك آثر ادراجها في ختام القصة محصورة بين قوسين مع ملاحظة الى ان المصدر مجهول .

 

*

 

رجع  بُعيد الفجر مخمورا الى البيت . عنَّ له ان يُنقح ختام القصة الذي يصف صديقين في بار , يقول احدهما , وهو تشكيلي يتسكع بين القارات :

- بدون حب جارف تبدو الحياة هي نفسها في كل مكان . لا فرق بين هنا وهناك . الحياة فظة , مملة , بلا مبرر , وآخرتها شيخوخة مقرفة وامراض وموت ( الحياة , في الواقع , انتظار طويل الى شئ لن يحدث ابدا ) .

قرأ بتركيز ما كتب . تنبه الى ان ( في الواقع ) لم ترد في نص العبارة الأصلي ( لا يجوز اذن حصرها هي كذلك بين القوسين ) ... شَطَبَها امانةً قبل الاهتداء , في لحظة الهام نادرة , الى حل ظنه اكثر ابداعاً :

- بدون حب جارف , تبدو الحياة هي نفسها في كل مكان , لا فرق بين هنا وهناك . الحياة فظة , مملة , بلا مبرر , وهي على اية حال انتظار عبثي لنقيض محتوم هو الموت .

وفي  التو خامره شك : ما الذي تبدل ؟ انتظار ما لن يحدث اصبح انتظار ما  سيحدث  حتماً .  هذا  غش . سرقة  افكار بطريقة ملتوية ( واستدرك )  ام انه استيحاء مشروع ؟!

تثائب وزفر بحيرة : اووف , كم هي شاقة الكتابة ( واضاف متعجباً ) فوق ذلك لا ادري لماذا اكتب ( جعّد الورقة ورماها الى المزبلة ) الكتابة كالحب , لا يثنيك عذابه الممض عن التشبث به .

وتحت وطأة الاحباط والنعاس عزم ان يغفل هذه القصة , فشعر بالراحة . ولئلا يأسف وبخ نفسه معزياً :

- تعـدى عمـرك الأربعيـن وانت تنتظـر ما لن يحدث . وسيتعدى التسعين وانت تنتظر ما لن يحدث . لا فائدة ترتجى من الانتظار . العالم منحط  وعنيف . عليك رصد ما يحدث والتدخل فيه بشجاعة .

صفّق باستهزاء :

- تصلح خطيباً في جامع او واعظاً في كنيسة .

جعّد بقية الاوراق ورماها الى المزبلة , واحدة بعد الاخرى . نهض بترنح من خلف الطاولة . اغلق النافذة . نزع الحذاء بصعوبة , وتكوم على السرير مغمض العينين :

- لكن الحياة لا تطاق  ما لم ننتظر ذلك الشئ  الذي  لن يحدث ابدا .

غفا وعلى ثغره ابتسامة رضى .

 

عودة الى الفهرست

***

 

 

القسم الثاني

 

 

( أستطيع أن أكتب )

 

أستطيع أن أكتب أشد الأبيات حزناً هذه الليلة .
أن أكتب
، مثلاً : الليلُ مشظّى بالنجوم
وفي البعيد
، يقشعرُّ النجم الأزرق
تدور شاديّةً في السماء ريحُ الليل
.
 
أستطيع أن أكتب أشد الأبيات حزناً هذه الليلة
.
أحببتُها ، وفي أحيانٍ احبّتني هي أيضاً
.
 
ضممتها في ليال كهذه بين ذراعي
.
كم من مرة قبّلتها تحت السماء اللامتناهية
.
 
احبّتني ، وفي أحيانٍ أحببتُها أنا أيضاً
.
وهل يمكن أن لا نحبّ عينيها الوسيعتين الشاخصتين
.
 
أستطيع أن أكتب أشد الأبيات حزناً هذه الليلة
.
أن أعتقد انني لا أحبها
. أن أتأثر من فقدانها .
 
أن أسمع الليلَ الشاسع
، وبدونها لهو أكثر شسوعاً .
وتهبط الأشعار إلى الروح كما إلى العشب الطللُ
.
 
ما جدوى أنّ حبّي لم يقدر على الاحتفاظ بها
.
الليل مشظّى بالنجوم
، وهي ليست معي .
 
هذا كل ما هناك
. بعيداً يغني أحدٌ . بعيداً .
روحي ليست مرتاحة بفقدانها
.
 
تبحث نظرتي عنها لتجعلها قريبة
.
يبحث عنها قلبي
، وهي ليست معي .
 
الليل عينه يجعل الاشجار ذاتها تبيضّ
.
نحن ، من ذلك الزمن
، لم نعد ما كنّاه .
 
لم أعد أحبّها
، هذا أكيد ، لكنْ كم أحببتها .
لقد بحث صوتي عن الريح ليمسّ سمْعَها
.
 
لآخرَ ،  ستكون لشخص آخرَ
، كما كانت قبل قبلاتي .
صوتها
، جسدها المنوّر ، عيناها اللامتناهيتان .
 
لم أعد أحبّها
، هذا أكيد ، لكن لعلّني أحبُّها .
ما أقصر الحب
، وما أطول النسيان .
 
ولأنني ضممتها في ليالٍ كهذه بين ذراعي
،
فإن روحي ليست مرتاحةً بفقدانها
.
 
رغم أن هذا آخِرُ المٍ تسبّبه لي
وهذه آخِرُ أبياتِ شعرٍ أكتب إليها
.

 

بابلو نيرودا

 

عودة الى الفهرست

***

 

جغرافية الروح

 

لا احد يعرف ان ليلى كانت حبيبتي وتحولت الى ضوء .

رأيتها في ذلك اليوم تشعل خمس شمعات مثبتة على سطح صحن ابيض  وتسدد لي نظرة  ثاقبة :

- قبّلني .

اطفأتْ عود الثقاب . أخذتْ بالأصبع عسلا من زجاجة على الطاولة ولطخت به الشفتين :

- هيا قبّلني .

مصّت الأصبع وجرتني من الشعر :

- قبّلني . خمسة اعوام مرت على الحب .

تساءلتُ وانا الطع العسل من شفتيها : أما كان بمقدور صدفة خرقاء ان تحبط هذا الحب او تكسر سلسلة الوجود اصلاً ؟ بدأ الحب قبل زمن اكتشافنا له . اتذكرُ الاضطراب الذي اعتراني . كنت اتلمس بأول رسالةٍ طريقي الوعرة الى قلبها :

- ليلى ...

لم اجرأ على كتابة " حبيبتي " . وفي الختام كشفتُ ورقة الاعتراف : دثريني بحنانك . انني ارتعد حبا !

عندئذ تحرك الزمن الراكد مسجلاً خفقات اطول قصة حب : خمس دقائق مرت . خمس  ساعات . خمسة  ايام . خمسة  اسابيع . خمسة اشهر . خمسة  اعوام ... وتوغل  في اعماق الماضي : خمسة آلاف . خمسة ملايين . خمسة عشر بليون .

آنذاك , وقع انفجار هائل نشأ عنه الكون : المجرات . الكواكب . والارض التي  ظهر عليها اجدادنا وتناسلوا الى ان ولد ابوها وابي , امها وامي , ثم انا وهي ... وها نحن معا على سرير في غرفة صغيرة ارحب من كل الفضاء .

- التمهيد الى حبنا استغرق 15 بليون عام .

زاد محياها فتنة وهي تفكر بما قلت . تُرى كيف ستبدو ليلى إن طال انفها او عرض او ضاقت عيونها واتسع الجبين ؟ هل كنت سأحبها ؟ لا ادري . ربما . لكنني سأظل احبها بالتاكيد لو اصبحت كذلك الان .

- احبك .

- احبك كثيرا كثيرا كثيرا .

كلما امعنتُ النظر فيها تحيرني معجزة الخلق . من الذي اوعز بالكف عن النمو ,  في اللحظة المناسبة ,  الى هذا الخد , هذا الفم , هذا اللسان ...

وادخلتْ لسانها في فمي . تنفستُ بنشوة  :

- ما اطيب زفيرك .

سرّتها الملاحظة ولم تعلق :

- قولي قيس .

- قيس .

- مرة اخرى .

- قيس .

- قوليه عدة مرات . يعجبني ان اسمعك تلفظين اسمي .

- قيس قيس قيس قيس ...

اسكتُّها بقبلة . دققتُ النظر في هذا الوجه  الذي  يذكرني بالشمس : بشرة نارية اللون . أنف مســتقيم . فم زنجي . اسنان ناصعة البياض ومتناسقة ...

العلم يجهل كيف تتخذ الخلية قرارها بأن تصبح خلية عين او انف او حنجرة . لكنني مقتنع بأن كل النساء اللاتي خُلقن منذ الازل كن مجرد تمرينات شاقة مارستها الطبيعة لتبلغ ذروة النضج  وتخلق لي ليلى . واصلتُ امعان النظر فيها  :

- فمك هذا لي .

هزت راسها موافقة . هيجَّني استسلام  ليلى المتمردة  الى رغباتي :

- قولي ان هذا فمك لي وحدي .

- فمي لك وحدك .

- قولي انا كلي لك وحدك .

- انا كلي لك وحدك .

- كرري : انا كلي لك وحدك .

- انا كلي لك وحدك . انا كلي لك وحدك . انا ...

قاطعتها بقبلة عنيفة فعضتني برفق من شفتي . لمستُ باللسان اسنانها الأمامية . ابتسمتْ . لم  أرَ الابتسامة . احسست فقط بفمها  ينفرج . عَصَرَ قلبي الأسى : كل هذه السعادة سوف تختفي . بعد ساعة تنقلب تفاصيل هذا المهرجان , هذا الواقع الملموس , الى ذكرى كالوهم , ذكرى تغوص رويدا رويدا  تحت غبار الزمن . لعل اقسى ما في حياة العاشق هو ان الأوقات السعيدة التي يعيشها لن تعود قط . وسعادتي هذه برمتها متوقفة على صدفة . مثلما قامت على صدفة . ماذا لو عثرتْ ام ليلى وهي حامل ؟ كان بوسع عثرة في طريق , سقوط من سلالم , او رعب مباغت  , الغاء ليلى او جرفها مع الطمث ...

- بماذا تفكر ؟

تنهدتُ بعمق :

- بكِ ، بنا ، بأن هذا  الحاضر المفعم  بهجةً  سيصبح  من مخلفات الماضي , وانا اريده  ان  يبقى  حاضرا , او يكون  مستقبلا ... لماذا تبكين ؟

مسحتْ انفها بأذيال الشرشف :

- لا شئ .

كررت السؤال فقالت بصوت مرطب بالدموع :

- لأنني سعيدة جدا معك .

قبلتُ راحة يدها فقبلتْ يدي . صارحتها :

- اتدرين , السعادة معك تقلقني . اتوقع فقدانها على الدوام . انني حزين جدا لأنني سعيد جدا .

يضايقني ان لا اجد سوى  كلمة ( احبك )  للتعبير عن حبي الى ليلى :

- ساخترع كلمة جديدة .

- لماذا ؟

- لأجلك  فقـط  .  كلمة  ( احبـك )  لا تكفي . انها  فاترة .  وكلمة ( حب ) جمع لا مفرد له , وانت مفرد لا جمع له ولا مثنى .

- الا تمل مني احيانا ؟

- حتى لو عشت معك خمسة عشر بليون عام .

موقن اننا نحب ونعيش ونموت بفعل الصدف . لم يكن ابي عقيما فولدت . كان جهازه  التناسلي معافى : خصية تضخ حيامن تنطلق , في ختام المضاجعة , صاعدة بتحريك ذيولها , كفراخ الضفادع , الى احدى القناتين المتصلتين برحم امي , حيث تنتظر بويضة متحفزة ( أول ) حيمن يصلها ... ولكم زهوت بأن كمية السائل المنوي التي قذفها ابي ضمت حوالي 150 - 200 مليون حيمن , وانا كنت الوحيد الذي استطاع , في الظلام الدامس , وعبر دهاليز لزجة , سبق كل تلك الملايين في وصول البويضة واقتحامها ... كما وصلت ( الحيمونة ) الشاطرة ليلى .

- ما الذي تفكر به مرة اخرى ؟

- بك بك بك .

- ما الذي يعجبك فيَّ اكثر ؟

سألت بغنج وعدم ثقة اذهلتني . قلت بصدق :

- كلُّكِ .

- حدد .

- الأنف ، الفم ... كلما ارى وردة حمراء اتذكر فمك .

- كان يخجلني في الطفولة .

- وتتباهين به الآن .

- لا . انه محرج . يوحي بالسعار الجنسي .

- ليس هذا صحيحا . انه وردة حمراء في اوج التفتح .

قبّلتُ بنهم فمها الشهي والعنق والكتفين وكل شامة على الصدر والبطن وما تحت السرة ... شَهَقَتْ :

- لحظة . انتظر لحظة .

تابعتها بنظري متوجهة الى الحمام . اصغيت باستمتاع الى وشوشة  الماء المتساقط  على  جسدها الرقيق . ما اغرب الوجود . انا وليلى ناتج تطور عشوائي طويل وبلا هدف . ابتكرتنا الطبيعة , وجمعنا الحظ  في وقت ومكان واحد , فانتقى احدنا الآخر من بين خمسة بلايين انسان يشاركنا هذا الكوكب .

- ما الذي يقرر مصائرنا ؟

لم تسمع تمتمتي وهي تندس الى جانبي تحت الغطاء . قالت :

- جسمكَ حار . احضني .

فكرتُ بانشراح : انني اسعد رجل . ترقد الى جانبي آخر واحلى ما ابدع ذاك الانفجار العظيم .

- احضني بقوة . بقوة . بقوة ...

كانت ليلى تلهث وهي تتحول بين ذراعي الى ضوء .

 

عودة الى الفهرست

***

 

الخَذوُل

بعث حمزة ناصر من البريد المركزي برقية الى نفسه ورجع  للبيت . مضى الى المطبخ . كان  على المائدة  وعاء , كيس تفاح , ومزهرية تحتوي وردة . تناول قنينة فودكا من الثلاجة . شرب  كاساً  وهو يدمدم بسخط . فقد نكث للمرة المليون قراره بأن لا يتعلق بشخص او بمكان او بشئ :

- كل ما بحوزتي مُعرَّض للتلف والضياع . كل الأماكن مؤقتة. كل  الذين احبهم يصـابون بأذى , يتغيـرون , يموتون , او يخونون .

ابوه الجراح توفي بالسرطان . أعز صديق اعدم لأسباب سياسية .  قريبه المهندس انتحر بعدما اعترف  وترك السجن ... وكم  اضطر هو للانتقال من  بيوت واحياء  ومدن  الفها , او تعذب لتعلقه بفتيات نسي حتى اشكالهن . وها هو يعيد ذات الخطأ \ تَعلقَ بتلميذة سلوفاكية ( هنريتا كيرتشوفا ) هجرته منذ اسبوعين , مثلما كان يتوقع تماما .

- لا احد يدوم لأحد .

اطفأ السيجارة  واخرج من الكيس تفاحة .

- لماذا تَخْرَب علاقات حلوة كهذي ؟

قضم التفاحة والقاها الى المائدة باشمئزاز . بلع كأسي فودكا واشعل سيجارة .

- يبدو ان الشخص الوحيد الذي سيظل معي في شتى الظروف والى آخر لحظة من الحياة هو انا  .

تخيل احتضاره  في غرفة  فندق .

- لا نجاة من هذي النهاية .

رشف الكاس الرابعة . التقط قلم ماجيك من جيب سترته الداخلي ودوّنَ على  كيس التفاح  عبارة خشي ان لا يتذكرها حين يصحو ( لعل دافع الحب الأصلي شعور حاد بالدونية ) . تفحص العبارة  فاعتراه الضيق .

-  لعنة الله عليك يا هنريتا .

افرغ التفاح في الوعاء , نفخ الكيس وفجّره بضربة من قبضة اليمين.

-  سكرت !

كوّر ورق الكيس بالراحتين وقذفه الى المزبلة . رن الجرس . اطفأ السيجارة ونهض بتثاقل . تمنى  لو يجدها واقفة بانكسار :

- هامزا . كنت حمقاء . سامحني .

فتح الباب . هذا ساعي البريد العبوس . اخذ البرقية التي ارسلها الى نفسه قبل ثلاث ساعات . رجع الى المطبخ  , أعد كاساً جديدة ، وقرأ بتريث :

عزيزي حمزة ناصر . لا تهتم . إتّكِل عليّ . سأبقى معك , كما عهدتني , حتى لو انفض عنك الكون اجمع . المخلص حمزة ناصر .

ابتهج . طوى البرقية , وقال :

-  تضامن .

ثم استدرك على الفور :

- لكنك انت ايضاً تخذلني  بعض الاحيان .

 

عودة الى الفهرست

***

 

الطفل والسؤال

 

كنت انتظر موعد عرض ( روميو وجوليت ) في المسرح الوطني . سـمعت الأب يقول لطفله الجالس على مائدة مجاورة  :

- ذاهب لأتلفن . سأعود حالا . لاتبرح مكانك  .

لم يكن في المقهى أحد سوانا . رأيت  الطفل يلوث الأنف بالآيس كريم ويوشك ان يمسحه بكم الثوب . قدمتُ بسرعة منديل ورق . شكرني وقال بعد برهة :

- هناك شئ واحد هام في حياة الأنسان .

طويت الصحيفة وسألت مداعبا :

- صحيح ؟!

- بابا يقول ذلك .

- كم عمرك ؟

- تسع سنين .

- وما هو هذا الشئ الهام ؟

- عليك ان تعرفه بنفسك ، يقول بابا .

تأملته بفضول ، وقلت :

- انه على حق  . فما هو مهم بالنسبة لي قد لايهم الآخرين .

لمحتُ عبر النافذة , على الرصيف الثاني , غجرية تطعم طيورا  فتات خبز . قال :

- وما هو الشئ الوحيد الهام في حياتك ؟

لم اكن مستعدا للتفكير الجدي . استعرت جواب استاذ على سؤال مشابه في فلم  رأيته امس :

-  لا شئ هام  بذاته  . كل شئ هام وغير هام . هذا نقرره نحن . الهام يتبدل بمضي الوقت واختلاف المكان والاشخاص والظروف . يمكن لشئ ان يكون هاما في وقت وعديم الأهمية في وقت آخر . نحن نحدد ما هو هام وما هو اقل اهمية او غير هام .

تاه الطفل في ثنايا جوابي المسهب . لكنه كرر السؤال  :

- وما هو الشئ الوحيد الهام في حياتك انت الآن ؟

- لا شئ ... لا شئ . اجل . لاشئ . ما عاد يهمني اي شئ .

-  متزوج ؟

فوجئت بأنني اكشف اليه حقيقة اخفيتها عن اقرب الأصدقاء  :

- طلقت لأتزوج  من سيدة احببتها سراً ثماني سنين متواصلة ,  فتبين  انها كانت تخونني . ما عاد يهم بعد ذلك أي شئ .

قدّرتُ انه اصغر من ان  يدرك معنى الخيانة ومرارتها . سألني :

- الم تكن تحبك ؟

- كانت تحبني كثيرا .

- وانت ؟

- كنت احبها كثيرا ... اعطيتها جوهر حياتي , بل ...

تهدج صوتي فتوقفت عن الكلام متشاغلا بأشعال سيجارة .

نظر إلي بحياد :

- لماذا كنت تحبها ؟

جاء الأب وعنفه :

-  انت تزعج كالعادة  الآخرين بأسئلتك اللجوجة . دع السيد يقرأ .

اوشكت ان اوضح انني مغتبط بالحوار , لكنه حث الطفل  :

- ماما تنتظرنا في محطة المترو . هيا .

لم استطع استئناف قراءة الصحيفة . اطفأت السيجارة واشعلت اخرى  ثم انصرفت لتأمل الغجرية وهي تطعم الطيور من كفيها المبسوطتين .

- لا شئ هام  بحد ذاته . لاشئ , لا شئ , لا شئ ...

قلت ذلك لنفسي مرارا  كي أقتنع , وأضفت بيأس : خسارة الحب  فادحة , لا تسكّن اوجاعها  قوة المنطق ... كيف استرد صلابتي الروحية ؟

جاء النادل ورفع قدح آيس كريم فارغا من على المائدة . سألته باستغراب :

- لمن كانت الآيس كريم ؟

اجابني وعلى ثغره ابتسامة غامضة :

- ارجو انك تمتعت بتناولها .

ضحكتُ بارتباك :

- آ . نعم . شكرا . بالتأكيد .

تطلعتُ الى المائدة  المجاورة  فلم  اجد اثرا لقدح  آيس كريم . اردت ان اسأله إن كان يجلس منذ  دقائق  طفل ...  لكنني  خفت  من  الجواب . شربت ما  تبقى في الكأس  وحاولت  النهوض .          

 

عودة الى الفهرست

  ***

 

النحات

 

- 1 -

خانتني  خديجة  .  قتلتها  بأسلوب  مبتكر لن  افصح  عنه .

 

- 2 -

احضرتُ  حجر  نيزك  ابيض  سقط  من السماء  في  مزرعة  جدي .  نقلته  بشاحنة  من الحفرة  الى المشغل  بالبيت . سابدأ  العمل غداً .

 

- 3 -

منعني  الأرق  من  النوم  .  ذهبتُ  غبشة  منتفخ  الجفون الى الحجر. طفت  حوله . تلمست  السطح الصلد الأملس .  هذا الرسوخ  يستفزني ... وفجأة  تنبهت  الى انني منهمك  بِطَرق  الأزميل  . لم  اخطط  على  ورقة . وثقت بخصب خيـالي  وأمانـة الذاكرة . تمر الساعة  تلو الساعة  وانا  ارجئ  العودة  للنوم .

 

- 4 -

تجسدت  بين  يدي  : عينان عميقتا  النظرة . فم  كوردة  حمراء  في  اوج  التفتح . أنف  اخنس . اذنان  بأقراط  كبيرة ... وضاق  تنفسي .  استنشقت  كثيرا  من  الغبار.  تغرغرت  بالكونياك  وغفوت على  مقعدي  من  فرط  التعب .

 

- 5 -

ارتحتُ اسبوعاً . زرت  المتحف عدة  مرات  . هناك  ارى طفولتي . اجوب الاروقة .  اتفحص  مخلفات  فنان  حك حجرا بحجر ليضرم النار , او ينتج اداة الرزق والسيطرة : أواني , كؤوس  , سكاكين ورماح ... تماثيل  بحجم  الأصبع او الكف او البدن .

 

- 6 -

أخرجتُ  بالقطن  شظية  طفرت  الى عيني اليمنى . سالت  الدموع  بغزارة . لكنني تلثمت  بقطعة قماش واسـتأنفت  العمل ... اطرقُ  الأزميل  واحفز نفسي : هيا , انت عظيم . طوّعْ  هذا  الحجر الجلمود لأعذب  مشاعرك . اخضعه لأهوائك القصوى . اقهر مقاومته . افرض ارادتك عليه , اجبره على التشـكّل  كما تريد . اطرق بقوة ولين  , بقوة ولين ، بقوة . كل  طرقة تخلف فيه اثرا منك يبقى الى الأبد . هيا اطرق  اطرق  اطرق ...

 

- 7 -

فرغتُ من نحت  العنق  والجذع  والورك  واستسلمت  للنوم ...

حلمت  انني  غدوت  عملاقا  وتابعت  النحت  بالأظافر . احاط  بي , في  كهف  واسع , حشد من  لصوص  بالغي  الأناقة .  توجهتُ منحني الظهر الى  منصة عليها  مطرقة  , خاطبتهم  :

- هذا  الحجر لا يُدرى من راميه في هذا الكون . شق  طبقات  الجو كسهم ملتهب  ليصلني . لو  سقط  في  عهد  الأوثان لعبدوه . اما انا فسأجعله  حبيبة  تعبدني .

- نشتريها منك .

قال احدهم . اوعزت له بالمثول امامي :

- هذه منحوتتي . لا تباع . لن تمس . فهمت ؟

ضربته  بالمطرقة  فأصبح  حفنة  تراب .

 

- 8 -

 

للحجر مسامات وخلايا . للحجر لون خاص . لكنني خضبت  المنحوتة بمزيج من نقيـع المسك والحناء والكافور والارجوان . زينتها بشامات داكنة . كسوتها بفستان ازرق  فيروزي  شفاف  يعود للراحلة خديجة . تراجعتُ خطوتين لأحيطها بنظرتي متفحصاً : تناسقٌ بديع يورث  الدهشة ... انا الذي  صنعتها !

 

- 9 -

مرغتُ  فمي  على  زغب  نبت  فوق  زاويتي  شفتيها .  رمشتْ الجفون وشهقت . ارتعش  قلبي .  زفير كأريج  الورد . وضعتُ  رأسي بين النهدين  فسمعتُ  دُم.. دم .. دم .. دم .. دم .. لم اصدق . أوشكتْ  ان  تعطس , لكنها  ابتسمت ، حدقت  في عيني  ,  ونطقت :

- من انا ؟

اعترتني  قشعريرة  .  مسدتُ  جبينها  لتطمئن :

- انتِ خديجة . اسمك  خديجة . بالوسع  ان  تبدأي الحياة .

تمطت  وهي  تتثائب .

 

- 10 -

تجولتْ  حافية  في  انحاء  بيتي .  تبعْتُها  من  حجرة  لحجرة .  كادت  تتعثر  بمصـاريع  الابواب .  وقفتْ  بتردد  وفضول  امام  مرايا  خزان  الملابس .  كنت  اتفرج عليها  بنشـــوة  وتـوتـر  وخــوف .  خلعـتْ  الفســتان  . تمعنت  فـي وجهها المثلث . صرقعت الأصابع . ثنت المرفقين . قرصت النهد . دغدغت  بالسبابة  الأبط  وتجويف السرة . استدارت لترى  تكور المؤخرة  وابتسمت .

ناولتُها مشط  خشب .  نفضت  رأسها  كفرس  وانهمكت في  تسريح  الشعر  متمايلة  الى الشمال واليمين . خمنتُ انها  مسرورة  بالوجود .  سألتني  ببراءة :

-  ماذا  عليّ ان  افعل ؟

- ما تشائين . انت حرة .

قضت  اليوم  تتطلع  في المرآة , او تستكشف  الحديقة . اصغت  الى  تغريد  العصافير ,  تشممت القداح ,  ركضت  مكركرة وراء  نحلة بين الأشجار , مسحت بيدها درقات السلاحف بين الأحراش ، ثم  استلقت  فوق  العشب .  حطت  على  أرنبة  الأنف  فراشة  زاهية  الألوان . لم تقبض  عليها  ,  نفخت  برقة ... فطارت .

 

- 11 -

سألتني  في  الصباح :

- البحر قريب ؟

- سبع  دقائق .

- تصحبني اليه ؟

- بالتأكيد .

لبستْ  ثيابا  داخلية  تشبه  جلد  نمر  مرقط . لبستْ  قميصا دون أكمام وسروال جينز ازرق . قالت ونحن نخرج :

- اعجبك  هكذا ؟  ابدو حلوة ؟

- جدا . اكثر  مما  ينبغي .

 

- 12 -

قدتُ  السيارة  الى  شاطئ  وغابة .  تركتني  مشدوهة  ومضت  الى  حافة الماء .  نظرتْ  مليا  الى  اختلاط  الأخضر  والازرق  في  فضاءات  متداخلة . الامواج  تتدافع  هادرة  ثم  تسجد على  قدميها وتنسحب .  تعرت  دون ان تلتفت صوبي . سبحت  بمهارة  حورية  وجاءتني  تلهث . نشّفتْ  جسدها  بشعاع  الشمس  . جلسنا  عند  رصيف  مقهى  ,  نروي  العطش  بالمرطبات  وندخن .

 

- 13 -

اخذت  تسبح  غباً .  نرجع  منشرحين الى البيت . نتعشى  ونحتسي  النبيذ  ونكركر .  صرنا  نتسابق  في الحكي  عن  مدى  شغف  كل  منا  بالثاني .  ندخن  سجائر كثيرة .  خيوط  الدخان  تنعقد  بيننا  فتتلوى  صاعدة  وتتلاشى ... في  الليل  اُحسُ  طعم  الملح  في  شفتيها  وفي  الحلمتين .

 

- 14 -

- لا  تسبحي  بعيدا  عن الشاطئ .

اعربتُ  لها  عن  خوفي  من  اسماك  القرش .  قهقهت :

-  لا  اسماك القرش ولا كنوز البحر تستطيع اخذي منك .

لا اعرف  لماذا  تذكرتُ  بقلق  حلم  الكهف .

عشنا  بسعادة  ورغد . نطيع  بعضنا  ونلبي  الرغبات  دون  تذمر .  حين  امرض تشفيني  بنظرة حنان ، تقيس حرارتي  بفمها  المكتنز ... وتسليني  بحكايات  عن  وفاء زوجات  البحارة  والمحاربين .

 

 

-15-

غافلتني  ذات  مرة  وسبحت  بعيدا عن الشاطئ . غابت  عن  مدى  البصر . انتظرتها ساعتين ولم تعد , انتظرتها يومين ، سنتين ولم تعد . لا اعرف كم بالضبط انتظرتها .  ولمّا  يئست  ايقظني  كابوس  مفزع . رأيتها ترقد  مهشمة  الى  جانبي  على  الفراش . آ , ماذا  حدث ؟!  احتضنتُ كومة  احجار باردة  وانتحبت . ماذا اقترفت خديجة ؟  سقطتْ  من علو شاهق ؟  ام  ضَرَبَتْها  مطرقة مجنون ؟  بذلتُ  محاولات  مضنية  لترميمها  بالعسل  والدموع . اعطيتها دفقات  من روحي .  صرختُ  بالناس  الذين  تجمعوا  :  لمْ اقتلها . هي  ســقطت . قلت  لهم  ســاعدوني , هذه ليست خديجة .  قلت  لعــلها غرقت .  هرعنا  الى الشاطئ . قلت  لهم  سـاعدوني  ,  لعلها تاهت  في  الغابة  او  خطفها  لصوص ...

وها  انا انتظر  مبتهلا  الى الله  ان  يتغمدني  برحتمه  .  قد  تحملها  اليَّ  موجـة  او  قارب  صـيادين  .  قد  يرشدها  الى  بيتي  درويش ... لن  اصنع  اخرى . لقد تعبت . سألهو  بالرمال  وانتظر .

 

عودة الى الفهرست

***

 

 

النفق

 

جاء القطار . كبح انسيابه بالتدريج وهو يدخل المحطة . احدث التوقف البطئ صريرا . سأل بصوت مرتعش :

- هل برد الجو ام انا بردان ؟

- برد .

جففت بمنديل عينيها المحمرتين . اراد التستر على اضطرابه بالكلام :

- غوثنبرغ ادفأ من بقية انحاء السويد . الجنوب كله ادفأ .

كادت تقول ( إبقَ معي ) فقالت :

- غداً اشاهد روميو وجوليت .

ابتسم بتشنج :

- مدينة الصيارفة لندن لا تناسب هذي المسرحيات .

تحاشت الرد . رأى رجلاً وامراة  يتعانقان بحرارة قربهما على المسطبة . تذكّر اول عناق في سيارته . اصيبا بالذهول ... وادرك سريعا خطورة تضخم عواطف الحب . بدأ يستعد بقلق للنكبة : لماذا نرهن  سعادتنا بشخص  او بشئ زائل ؟ أهذا عدم  نضج او قلة وعي او ... هي  تتخبط  ايضا : كل انسـان  يخطئ . تركتني سـنتين . ثم خبروني عن علاقتك مع مغربية ومع غيرها وغيرها وغيرها . يدمدم متلعثماً هو : لكن ... يا الهي . اُف . يا الهي . لا استطيع البقاء , ولا الذهاب .

- ماذا قلت ؟

- برد .

ارتج  القطار واصطكت عرباته . ازف  الانطلاق . مسافرون متأخرون . كل  واحد  يجري  باتجاه . حقائب . مصافحات .  تلويح . وعود ...

- إبقَ . ارجوك .

فكرتْ  بتضرع . ولج عربة رقم (1) كمن يلج تابوتا .  جلس عند النافذة . اغلق الستارة . اخذ من الحقيبة زجاجة لبريوم . مضغ حبوبها ببطء . طعمُ جبس مر . هجع في مكانه وقفز الى الرصيف . وجدها تحدق بوجوم في نقطة غاب فيها القطار منذ ساعة . همس في تجويف الاذن :

- غفرتُ لك .

لم تسمع . صاح :

- مازلت احبك .

لم تسمع . صاح بصوت اعلى :

- احبك احبك احبك ...

وحاول عبثاً جر شعرها بيده التي غدت كطيف , لا تقبض على شئ . حاول احتضانها  فانزلقت من خلاله منكسة الراس ومشت الى الخارج . تبعها كالشبح راكضاً , هي تبكي وهو يلهث . وصلا البيت . انفاسه تتلاحق قصيرة  وتوشك ان تنكتم . استطاع ان يبلغها بغبطة :

- قررت البقاء معك مدى الحياة .

كان القطار يجتاز في تلك اللحظة نفقاً وهو مغمض العينين .

 

عودة الى الفهرست

***

 

مسافر

 

كتبتُ الى سهاد , على ظهر صورة لبيكاسو , رسالة عتاب لم ابعثها , فجاوبتني برسالة شوق من كلمة : تعال !

وضَعَتْ الرسالة في مغلف , عليه طابع بهيئة قلب جريح , والقته الى نار الموقد في الصالون . تراقص دخان كحمامات بيضاء تهسهس بأجنحة متكسرة .

وصلتني الرسالة . قرأتها الف مرة قبل ان اُخرج من دولاب الملابس  قاصة .

- اين وضعتُ المفتاح ؟

ربما  ضاع  في غضون الانتقال من براغ الى موسكو الى ستوكهولم . فتحتها  بأصبع دناميت وجدته بين مناشير صفراء . القاصة  مثل  قلعة  مهجورة  تحوي خصلة شعر اسود  موخط  بالميش :

- أهذا كل ما تبقى ؟!

اجتاحتني نوبة سعال من فرط التدخين . شربتُ سبعة اقداح فودكا وذهبتُ الى مركز المدينة بمنطاد ملون . انه من صنع طفل يشبهني ؛ يقيم في عمارتنا منذ خمسين سنة . بعت الخصلة الى حلاق يوناني لا يكف عن الدندنة وهو يعمل . شذّبَ لحيتي مجاناً واعطاني صكين ؛ القيت احدهما الى قبعة عازف غيتار اعمى  داخل رواق ( فمان ) واشتريت بالثاني خارطة العالم مع تذكرة سفر . قلت  للموظف السويدي :

- وان  واي  تكت  تو  لندن ,  بليس .

- مَنْ عندك في لندن ؟

سألني الشرطي في هيثرو . كذبت :

- لا احد .

حصل هذا معي سابقا . سأخبره  الحقيقة في هذه المرة ، سأخبره :

- لا احد .

شكرتُ الموظف على مساعدتي . لم  يسمع . كان يتغازل بالتلفون . هرولت بلا حقائب الى المطار الذي يبعد عني ساعة بالسيارة . جاء طفل المنطاد  يبكي ويمسح المخاط براحة الكف . وعدته :

-  سأرجع . لن اتأخر. لا تهتم .

اشتريت  له حلوى ولي هامبورغار  مع  زجاجة  كوكاكولا . كنت جـائعـاً من القـلق . اقلعت الطــائرة دون اهتـزاز او هديـر.

ازحتُ الستارة لأتفرج . تحتي غوثنبرغ : لوحة متقنة لأرخبيل عشوائي وغابات . بعد ساعة و45 دقيقة هبطنا في هيثرو . رأيت  كل الركاب ينزلون ماعداي . لم اكن في الطائرة . كنت ادخن في غرفة نومي واقرأ , للمرة الأخيرة , رسالة الشوق التي القتها سهاد في النار . ادهشني ان لا تكون في استقبالي . كان الطفل وحده يلوح باليدين . تساءلت : أهو يستقبلني ام  يودعني ؟

 

*

 

خرج من الشفق منطاد . رفع الطفل راسه ضاحكا ودعاني للأياب الى البيت :

- هيا .

ترددتُ . حط المنطاد على شارع ( افنين ) كفقاعة . غادره الحلاق وهو يدندن . كان يحمل على كتفه قاصتي  ويسحب  , بمغناطيس كحدوة حصان , عازف الغيتار الأعمى . قال لي :

- لاشئ هناك .

ونصحني الأعمى :

- إبقَ هنا . لاشئ هناك .

عندما لاحظوا حيرتي  اخذ الأعمى  يعزف  والحلاق يغني باليونانية . احتشد جمهور كجوقة على مسرح , وتعالى الصوت بالتدريج :

انتِ يا صـاحبة الشـعر الموخط  بالميش \ نسـيتُ عندك خنجري  \  نسـيتِ عندي  أقراطـك  العسـجدية  \  دعي طيــور الدخــان  تلتـهب  بالأشــواق  \  فالشـتاء قادم  \  وموقدي  برد ...

 

تذكرتُ بحسرة شتاء براغ ، الاقراط الكثيرة ، اصابع حمرة الشفاه ، والشعر الموخط بالميش . تذكرت افراح اللقاءات . اكاد انسى تلك الأفراح . لماذا الحزن والألم اقوى من الفرح واطول ؟ لماذا تعلق الذكريات المؤلمة في الذهن وتترسخ اكثر من الأفراح ؟

غطيتُ  رأسي  باللِحَاف . اقفلت اذني  بالسبابتين . وفتحت عيوني . اطبق ظلام  ودفء وسكون . لم اعد اسمع سوى ضجيج احتكاك  رموشي  بقماش  الوسادة .

 

عودة الى الفهرست

***

 

ملامسة الواقع

 

حلمتُ انني نائم وايقظني صوت  زجاج  يتكسر . انرت مصباح الغرفة ونزلت بجلبابي الى الصالون فإذا بعشيقتي سهاد تقف عند الباب المخلوع وفي يدها خنجر نصله مضئ كالهلال .

- اجلس هنا !

اشارت بالرأس الى اريكة لكم مارسنا الحب عليها في اثناء غياب زوجتي . كان الحقد يشع من العينين السوداوين فانقلبت الفتنة الى قبح مخيف . بدت كقزم عجوز , سمينة , واكبر سنا . سألتْ عن زوجتي :

- كيف حال نسرين ؟

- لا بأس . كونياك ؟

- اين هي ؟

- نائمة . فوق . الجميع نائمون ، كونياك ؟ ( وأضفت بتواطؤ )  لم يسمعوا صوت تكسر زجاج الباب .

- افتحْ  يدك .

- لماذا ؟

دنت مني اكثر وقبّلت الأذن كالعادة :

- افتح .

امتثلت  للأمر وعلى فمي  ابتسامة  قلقلة . لفظت  هي  كلمة  لم اتبينها وطعنت  راحة  كفي اليمنى  بحركة  خاطفة . سحبت  يدي وحاولت الوقوف .

- لا تتحرك !

صاحت وضربتني بكعب الخنجر على  قمة الراس . تهاويت فوق الاريكة . كاد  يغمى علي . احسست  بالدم يسيل حارا بين شعري الكثيف .

- افتح الثانية .

فتحتها بلا مقاومة وانا احدق باستغراب في الوجه الصارم الذي كان طوال السنوات الخمس الماضية يفيض وداعة وحنانا . سألتُ بحيرة :

- لكن لماذا ؟ انني مازلت احبك .

في هذه اللحظة نزلت زوجتي متوجهة الى المطبخ . مرت  وكأنها لم تلحظ ما يحدث . اسندت سهاد راسي بيدها وحزت بطرف الخنجر خطين متصالبين على جبيني. غادرت زوجتي المطبخ فقلت لها مستعطفاً :

- الا ترين ؟

بسطتُ راحتي امامها . همستْ هي بتهكم :

- وماذا تريدني ان افعل يا يسوع المسكين ؟

- افعلي شيئا .

- اتلفن الى الشرطة ام الى زوجها ؟

- لا لا . لا شرطة ولا زوجها .

قالت بتعجب يخالطه التشفي والغيرة :

- انت اذن تخاف عليها !

لم تُظهر سهاد أي اهتمام بحوارنا . كانت تنتصب كتمثال من فولاذ تجمدت تعابيره . نظرتُ اليها بدهشة :

- ولكن لماذا ؟ هل جننت ؟ انا محمد . حبيبك محمد . اتسمعين ؟

صعدت زوجتي توقظ اطفالنا للذهاب الى المدرسة , بينما استأنفت سهاد حز جبيني بطرف الخنجر كممرضة بلهاء  تعالج جريحا يموت . لم يمنعني ذلك من رؤية الأطفال الثلاثة  يتجولون حولنا بعدم اكتراث .

ابتسمتْ بود على نحو مفاجئ . سلمتني الخنجر المضئ  وتناولت مسدس اطفال بلاستيكيا من الحقيبة السوداء . تظاهرتُ بالفزع :

- ماذا تفعلين ؟ من اين لك المسدس ؟

لم تجبني بل  اطلقت  رصاصة على قلبي  واخرى على قلبها وهي تقهقه . سقطنا مضرجين بالدماء . ايقظني دوي الرصاص من النوم . شهقت كغريق انتشلوه  تواً . اول ما فكرت به هو مقابلة سهاد لأروي اليها تفاصيل هذا الكابوس المريع ... الا انني وجدت آثار دم على اليدين . تساءلتُ بذهول :

- الم يكن كابوسا ؟!

هرعت الى الحمام لأرى جبيني في المرآة .

 

عودة الى الفهرست 

*** 

 

سكيتشات

 

سكيتش 1

تمدد على السرير . في الخارج  يهطل رذاذ وجليد مائع . لم يغمض له جفن منذ امس . قالت بالتلفون :

- لنفترق !

رفضتْ الافصاح عن السبب . رأى نفسه يسقط كحصاة الى اعماق بئر حالكة السواد .

- في لحظة  يتهدم كل ما بنيناه خلال ثماني سنين .

دفن راسه تحت الوسادة .

- لا يُعقل ان تكون هذه هي سهاد . الا تتراجع عن قرارها الغامض وتعتذر ؟

ضاق التنفس . ازاح الوسادة بقرف . قعد على السرير لحظة وقام الى المطبخ . ظل يتلفت ، محدقاً بالأشياء ، لا يعرف ماذا يريد . فتح الثلاجة ، استطلع  جوفها  بعدم تركيز ، اخرج  زجاجة  نبيذ ابيض وشرب جرعة كبيرة . تذكر كيف كانا يشربان الكونياك من افواه بعضهما فارتعش قلبه .

- كل  شئ  ممكن . الحب  يصبح  بغضا . البغض يتحول الى حب ، الاحترام الى ازدراء ، الجبن الى جسارة ...

ذهب الى سريره . استلقى على البطن وغفا سريعاً . استيقظ  على  طرق خفيف بالكاد يُسمع .

- هي ؟

قفز الى الباب وفتحها بقوة . لم يجد سوى نفسه واقفاً حافي القدمين تحت الرذاذ .

- هذا انتَ ؟ انا طرقتُ بابي ؟!

رجعَ  الى السرير خائبا .

- هلوسة .

قال  وتثائب كالفهد ( آآآآه ) ثم دس رأسه بين  وسادتين , واضاف بتذمر :

-  لا شئ يستحق الاستيقاظ  .

 

 

سكيتش 2

 

انعقدت  علاقة  حب كبير بينهما  في براغ . دامت 1999  يوما . هي أُرغمت على الهجرة الى ويلز وهو الى ستوكهولم . قالت له بعد سنتين من الانتظار المبرح :

- إسمع . قررت الطلاق  من  زوجي  وانهاء  العلاقة  معك . لا يوجد  في حياتي أي رجل آخر . سأنصرف لرعاية الاطفال فقط . انهم اثمن ما عندي الان . حاول فهمي ارجوك .

شلّته المفاجأة . اغلق التلفون . جلس على كرسي المطبخ ساكنا , ثم نصح نفسه : الأفضل هو التمشي في الغابة وعدم التفكير , عدم التفكير , عدم التفكير...

كانت السماء ملبدة بالسحب , والشمس كمصباح يذوي شعاعه في الدجى . صادف شجرة زان منقوش على جذعها الضخم افئدة وعبارات  متلاصقة : انا احب جوليت , روميو . انا احب باربرا ,  تيم . انا احب سوزن ...

- انا احب نفسي .

قال بفرح . اعتراه غيظ  وانتشاء . اخرج  يده من جيب السروال  فرأى خمسة  مخالب  تنمو سريعا في رؤوس الأصابع . لم يندهش , بل قرفص على الارض  وعوى : آووووو آوووو آوووو ...

 

 

سكيتش 3

 

- كنت اتوقع  ذلك .

رد بهدوء وأغلق التلفون . جلس  على الأريكة مطرقا . عطلتْ الصدمة نوابض الأنفعال . ذهب بخطوات متثاقلة الى الحمام . مشط دون ان يتطلع بالمرآة في عينيه المحمرتين . ارتدى بدلة ارسلتها  قبل سنة في عيد ميلاده الأربعين . اخذ من  الرف كتاباً لسانت اكزوبري ( بريد الجنوب ) واستل من بين دفتيه رسالة حب وصلت منذ شهرين ليس إلا . قرأها بسرعة وخرج . أراد المرور بالمقهى فتوجه الى الغابة مباشرة تفاديا لمقابلة الأصدقاء والمعارف . بلغ شاطئ بحيرة  البجع .  بحث عن شجرة زان ضخمة يلتقي عندها العشاق عادة . حفر بمفتاح على الجذع المتين " أنا احب نفسي "  ,  برّوَز العبارة بفؤاد حفره بالمفتاح ايضا  ورجع الى البيت . وجد زوجته نسرين بالأنتظار :

- رافقني الى الطبيب .

وافق على مضض . وسألها بعد مغادرة العيادة .

- ماذا قال ؟

- انت مرهقة جدا . تحتاجين الى راحة ( واضافت مع ابتسامة ذات مغزى )  قال تحتاجين الى حب  وحنان .

تجاوز الرغبة في تطمين حاجتها  بكلمة طيبة . امتعض من قسوته . ذهبت  هي  للتسوق  ورجع  هو الى البيت . اراد ان يكون وحده ليفكر . تلفنت  سهاد :

- لم اعد احتمل شكواها من فتورك . انها تتعذب بسببي .

- تلفنتْ ؟

- امس . اشعر بالذنب .

- انا كذلك . تعرفين كم اعزه . نحن تورطنا في حب بلا امل .

بعد فترة صمت مريبة ، قالت  :

-  لا استطيع الأستمرار بالكذب عليهما . قررت الطلاق منه وقطع علاقتي معك .

استغرب من تناقض مشاعره . فقد انزعج من قرارها وارتاح .

 

 

سكيتش 4

 

طلق بذرائع مفتعلة  ليحرر سهاد من عقدة  الذنب  ويريح ضميرها . كان الطلاق اليماً ، غير انه الثمن الوحيد  للأحتفاظ  بعلاقة  الحب . قالت  بالتلفون  :

- لا استطيع الأستمرار معك  .

- لماذا ؟ لم اعد متزوجا . لم نعد متزوجين .

بعد فترة صمت جاءه اعترافها الصاعق  :

- انني مرتبطة مع رجل آخر يرغب بالزواج مني  .

بلع ريقه بصعوبة ( هذا هو  ما يفزعني في الآخرين ، التغير المباغت والحاد ) . تساءل بوهن وبلادة  :

- أي رجل ؟

- هذا لا يعينك .

تندى الجبين بالعرق . كاد يقول ( حتى البغي لا تخاطب زبونها بهذه الصلافة ) لكنه تنفس عدة مرات , وقال  :

- انتظرتك سنتين ياسهاد ... لماذا اخفيتِ عني ...

وأدرك على الفور سخف المحاججة وعدم  جدواها . ادرك ان سهاد .. انتقلت .. الى .. عالم .. آخر ... افلت سماعة التلفون من قبضة يده , فاختلجت ابتسامة ذهول على شفتيه :

-  سبع سنين حب  !

ظل ساكنا  على كرسي المطبخ , يبحلق في ساعة الحائط ,  يتابع  قفزات عقربها الأحمر :  تك  تك  تك  تك تك  تك  تك

وسمع  بوضوح  مخيف  صوتاً  يدمدم :

-  انتِ اذن لم تكذبي على اثنين فقط  ؟

هرع الى الحمام  ليتقيأ . رش وجهه المحتقن بماء بارد وحار  بارد  وحار  بارد  بارد  بارد  بارد ...

- كلنا نكذب . لا  وجود  لأمرأة  دائمة  الوفاء ، لا وجود لصديق دائم الوفاء ، لا وجود لوفاء دائم ... لماذا لا احب نفسي وارتاح ؟

نظر في المرآة طويلا وقال بحدة :

- إخرسْ انت . لم اعد اثق حتى بك .

خيل اليه انه يضحك . لم يكن يضحك .

 

عودة الى الفهرست

***

 

زلة

 

- لكَم هي موحشة الحياة بدونه !

وقفتْ عند شباكٍ مغلق . كل شئ امامها ساكن ومغطى بالثلج : سهلٌ فسيح تحده صخور عملاقة من الطرف الثاني , وغابة تحجب ميناء المدينة . تأملتْ مسطبة لأستراحة المتنزهين . كانت تجلس عليها  حين ابلغته :

- سأقص شعري لو تركتني يوماً .

جلس الى جوارها وهمهم في الاذن الصغيرة :

- لن اترك ينبوع سعادتي الوحيد . هيا , اعطني قبلة .

بعد اسبوعين فقط اعترفت  بخيانتها وطلبت ساجدةً العفو . عجز عن النطق . اخرسته المفاجأة . غادر البيت ولم يرجع .

قيل انه اختفى في قرية قرب حدود النروج . وظن البعض انه عاد الى وطنه العراق , او انتحر بطريقة لا تخلف اثرا ...

- لكنني احس انه ما يزال في السويد . اتوقع ان يدق الجرس في كل لحظة او يتلفن  او يبعث  رسالة . سيغفر زلتي . انا اعرف .

 

شاهدتْ كتل ثلج  تسقط  من على اغصان شجرة باسقة . ذهبت الى المطبخ  ,  تناولت من الرف قرص  فاليوم  ثانياً  وبلعته بجرعة  ببسي ... وتذكرت قولها :

- إن تَخُني سأتحول الى عاهرة  نكايةً  بك .

رد بحنان :

- لن اخونك . اطمئني ؟

مسحتْ  بأصابع  يد مرتعشة دمعتين انزلقتا الى الفم . ملأت زجاجة نبيذ  فارغة ماءً من حنفية المطبخ وسقت , مرة اخرى , ثماني نبتات تنتشر في غرف البيت . تباطأ  تنفسها . تربعت على وسادة من جلد  ابيض فوق البساط  , اسندت  الظهر  المستقيم الى الاريكة , وفتحت التلفزيون . رأت على الشاشة قطعان  ضباع  تطارد ظبية شاردة تجري بكل قوتها ثم  تكبو ... أغمضت العينين .

- لكل منا لحظة ضعف . انا بشر ...

قالت له بتوسل . لم يسمع . ترك البيت مذهولا .

 

*

 

غطت رأسها الأقرع بشال اسود  , اشعلت سيجارة , ومضت الى  شباك المطبخ , آملة ان ترى ساعي البريد يسحب عربة ذات عجلتين . لم يكن في الخارج غير بضعة اطفال يتزلجون على الواح بلاستيك متعددة الألوان . وضعت ابريق ماء  على النار ورجعت الى الشباك . تعلقت عيناها بنسر يحلق وحيداً على ارتفاع شاهق حتى تحول الى نقطة  وتلاشى .

اخذت الى الصالون , بصينية خزف , ابريق الماء المغلي مع قدحين في كل منهما كيس شاي وقطعة سكر .

-  كم تمنيت لو عاقبنى بضربة سكين او بركلة على بطني ... هذا العقاب اسهل عليّ من الهجر.

رَنَتْ الى صورة  فوق سطح المكتبة  يبدو فيها وهو  يرشف الشاي . تمنت لو يدق الجرس الآن ويدخل . نهضت لتلثم الصورة  فتوجهت الى الباب , فتحته ودقت  جرس بيتها بالحاح وهي تبكي .

 

عودة الى الفهرست

***

 

 

القسم الثالث

 

[ مرات مدري كيف

بتكون ماشي , محير وماشي

ملبك وماشي

وبتحب . بتحب مدري كيف

بيصير قلبك مثل شي فراشه

حلو وخفيف

مدري كيف

مرات مدري كيف ! ]

 

* مقطع من قصيدة باللهجة اللبنانية , نشرت في " الحياة " يوم 26 شباط \ فبرواري 1995 تحت عنوان ( اغنية ) وكانت خالية من اسم المؤلف .

 

 

*

 

احتفال

 

الشخصيات :

رجل وسيم في الاربعين .

امرأة حسناء في الخامسة والثلاثين .

المشهد :

غرفة نوم يضيؤها مصباح ازرق خافت , تحتوي على سرير واريكتين متقابلتين تفصلهما مائدة منخفضة . ستارة النافذة مسدلة بإحكام . على كل حائط معلق رسم زيتي .

حين ترفع ستارة المسرح . نرى الرجل عارياً على السرير , غطى النصف السفلي  فقط بشرشف مورّد .

على المائدة , وسط الغرفة , تتبعثر زجاجات نبيذ وصحون تحتوي بقايا مأكولات : لحوم مقددة  , زيتون , خبز , فضلاً عن شمعة حمراء  , ومنفضة فيها سيجارة  تكاد تنطفئ .

نسمع صوت مياه تتدفق على جسد امرأة يتثنى بليونة في حّمام محجوز بجدار زجاجي مضبب . ينفخ الرجل دخان السيجارة باتجاه الشمعة  فيهتز لهيبها . يفتح  المسجل على منضدة الى جواره . ينبعث صوت فيروز . يتنبه الى فوضى الغرفة . على المائدة  ومساند  الأريكتين  وسجادة الارض تتناثر اقراط فضية , خواتم , حلقات  زواج ,  قميص , بنطلون , جورابات , حاملة اثداء , سراويل  داخلية  ...

 

الرجل : ( يرفع الحاجبين ويتمتم )  معركة الحب العظمى  لم تبدأ بعد ! ( ينظر الى اصابع  القدمين الظاهرتين من تحت الغطاء , ينظر الى السقف الابيض , الى نقوش الحائط  , والى رسم يمثل عشاً بين اغصان شجرة سـرو ... ) .

المرأة : ( يتوقف صوت تدفق المياه . تفوح رائحة صابون كرستيان ديور . يتشممها الرجل بنشوة . تنفتح الباب , وتندفع هي  مجللة بمنشفة وعلى ثغرها ابتسامة ) الآن قل لي , كم سنة وشهر ويوم وساعة مضى على حبنا ؟

الرجل : بُممم ... وانفجر الكومبيوتر  !

المرأة : ( تضحك وتصـعد الى السرير بخفة وتندس تحت الغطاء الى جانب الرجل . تهتف بدلع  وهي ترى المنفضة ) اين سيجارتي ؟

الرجل : تحولتْ  الى  رماد ( يرتكز على المرفقين ويزحف بقفاه ليتمكن من الجلوس  فيسهل اخذ  سيجارة من علبة مالبورو على المائدة ) تفضلي .

المرأة : الكاس ايضا ارجوك .

الرجل : ( يناولها الكاس بحذر ) تفضلي سمو الملكة .

المرأة : (  تتخذ هي الاخرى  وضع الجلوس  ,  مسندةً ظهرها العاري الى وسادة ريش , وتقول كطفلة ماكرة ) لا احد يعرف سوانا بهذا الحب .

الرجل : هذا بالذات هو ما يرهقني ( يكرع كل ما في الكـأس )  لكم بودي البوح  بحبنا .

المرأة : لمن ؟

الرجل : لا ادري . لصديق واحد على الأقل .

المرأة : انا كذلك احتاج الى من ابوح اليه .

الرجل : ربما يوسف ...

المرأة : ( تؤيده  بحماس )  اجل , انه عاش تجربة مماثلة .

الرجل : وهو كتوم .

المرأة : ( تزيح المنشفة عن راسها وتتنهد )  متى استطيع  التمشي معكَ يداً بيد في شارع فاتسلافسكي ؟

الرجل : اليوم .

المرأة : لا امزح . اريد ان  تعرف براغ كلها انني احبكَ ؟

الرجل : ( يغير كاسيت فيروز ) عندئذ سيقتلني المعجبون بكِ .

المرأة : تستحق ( تقرص انفه ) انت الوحيد الذي افلح في نيلي .

الرجل : ( يفرك الأنف بظهر كفه ) وستُمزَق قصص كثيرة كُتبتْ عنكِ , وقصائد , ورسوم , وصور  فوتوغرافية ...

المرأة : ( ترشف بسرعة الكأس ) اما انا فسيتهمونني بالجنون , لأنني  اخترت اصعب رجلين , احدهما  كزوج  والآخر عشيقاً . كل واحد منهما اشطن من الثاني .

الرجل : الى اين سافر ؟

المرأة : الى قبرص .

الرجل : لأسبوع ؟

المرأة : لأسبوعين .

الرجل : ( يخفض صوت المسجل ويستدرك بتردد ) أتدرين ماذا ؟

المرأة : ادري .

الرجل : ( يضحك ثم يكرر السؤال معقود الحاجبين ) اتدرين , يخيل  لي احيانا انني احبه كصديق اكثر مما تحبينه انت كزوج .

المرأة : ( تعلق فوراً ) وانا احبها كصديقة  اكثر مما  تحبها انت كزوجة . انني احبكما  بنفس  القدر . لا استطيع الاستغناء  عن احدكما . هذه مشكلتي .

الرجل : (  يغمض العينين برهة ويفتحهما ) المشكلة ( صمت ) المشكلة ... هي اننا نعلم بأننا نرتكب خطأ غير قابل للتصحيح .

المرأة : ( تدفع الغطاء عن صدرها وتاخذ رشفتين من الكاس ) اذا ارتكبتَ خطأ لا يمكن تصحيحه , إنساه ... وإلا سيقتلك الندم .

الرجل : كولومبوس اكتشف العالم الجديد عن طريق الخطأ , وانا اكتشفتك ...

المرأة : ( مازحة ) عن طريق الخطيئة ( يضحك . وفيما يستغرق  في التفتيش عن تعبير ملائم , تسحب هي نفساً من السيجارة , وتسحقها  في المنفضة ) لا اصدق انني انا وداد خنت أعز صديقة لي .

الرجل : ولا انا اصدق انني خنت صديقي الحميم ( يضيف مازحاً ) مع انني مستعد لأن اخون الوطن من اجلك .

المرأة : تكذب . وهذا لا يشرفني على اية حال .

الرجل ( يشعل سيجارة , ينفخ دخانها الكثيف باتجاه السقف , ويصبّ كأسين جديدين ) كيف ساقنا القدر من العراق الى مدن كثيرة حتى نجتمع هنا في براغ ونتعارف ؟ ( يتأمل لوحة تزين الحائط  وكأنه يراها للمرة الأولى : عشٌ محكم البناء عند ملتقى اغصان متشابكة لشجرة سـرو )  انني احلم به دائما ,  يعاملني بمودة تارة , او يسدد لي نظرات عتاب تارة اخرى , او يتجاهلني ... اتظنين انه  سيتفهم ملابسات علاقتنا ويغفر ؟

المرأة : لا . لا ادري ( تبدو على الرجل امارات الحيرة . ثم يختلس النظر الى ساعة الحائط . تسأل هي بمرح مفاجئ ) لماذا يقطب الملك الجبين ؟

الرجل : ( يرد واصابع الكف تعبث بشعرها الذي مازال ندياً )  في كل شئ حلو هناك طعم مرارة ( صمت ) اعني ( صمت ) او ما ان نتذوق حلاوة السعادة حتى تتلاشى  مثل  قطعة  سُكَّر في قدح شاي .

المرأة : انتَ قطعة سكر , لا تذوب إلا على لساني ( تقبله ) انت  لي فقط ( تستدرك بنبرة انصاف ) او شئ  منك اليها ايضاً .

الرجل :  لا . انا مرٌ جدا وحزين .

المرأة : ( باستنكار ) معي وحزين ؟!

الرجل : ( صمت ) من فرط السعادة .

المرأة ( ( ترفع يدها بمزاح ) قف . لا تخدعني . فسّر قصدك .

الرجل : ( يضع الكاس على المائدة , وينبطح على بطنه فيصبحا متقابلين ) سيأتي يوم لا ارى  فيه وجهك هذا , بل اتذكره  فحسـب . اتذكـر هـذا  الفم  , هذه  الأسنان  , هذه  الشــامة  بين  النهدين ( يقبلها ) بينما أرى الآن كل شئ , المسه , اشمه  , اقبّله  ( يتناول من يدها الكاس , يضعه على المائدة , ويقبّلها بعنف وشهوة . يتجاهلا  سقوط قدح فارغ لكزه دون قصد ) هذه اللحظات  الملتهبة ستغدو جزءا  فاترا من الماضي .

المرأة : قبّلني ولا تتفلسف .

الرجل : (  يضحك  ويقلب  الكاسيت فينبعث  صوت فيروز ) عندما اريد ان اتذكركِ بالبيت اسـمع فيــروز , وبخاصة هذه الأغنيـة التي اهديتيها ليَّ في عيد ميلادي : سـهار بعد سهار ...

المرأة : انا اتذكركَ مع  كل اغنية لفيروز . الكلمات , الموسيقى , الالحان .  يا الله  .  لكن  اتذكرك  بشكل  خاص  مع  اغنية  ياريت ( تتنحنح وتبلع ريقها عدة مرات ثم تنشد بصوت مرتجف قليلا ) ياريت , انت وانا في بيت , شي بيت , ابعد بيت ,  ممحي ورا حدود العتم , والريح نازل بالدني تجريح , بيضيّع آثارنا , وما تعود تفل , تظل حدي تظل ...

الرجل : ( حالماً )  ياريت .

المرأة : (  تطبق  بشفتيها على شحمة اذنه ,  وتعض الشاربين , ثم تستكين . يدرك انها  اخذت  تذرف الدموع . يقبّل عينيها . تنهره برقة ) لا . لا تقبّلني من عيني . القبلة من العين تفرّق .

الرجل : ( يتنهد ويرخى راسه على صدرها ) يقول العشاق في السينما والمسرح والقصص : لا شئ يفرقنا سوى الموت .

المرأة : ( تقاطعه ) لا تذكر الموت ارجوك ( تحتج  برقة ودلال ) ثم أتُعد هذا احتفالاً ؟

الرجل : لا .

المرأة : هيا اذن .

الرجل ( حالما يستلقي بين الفخذين يسمع صوت باب الشقة ينفتح وينغلق . ينظر بفزع الى المرأة ) من ؟!

المرأة : ( وقد اتسعت عيناها السوداوان ) لا ادري .

الرجل : الم تقولي انه سافر ؟

المرأة : بالتأكيد . صباح اليوم .

الرجل : ( همساً ) لنطفئ النور .

المرأة : ( تدعوه للسكوت ) إش ش ش .

( ينطفئ النور وتسدل الستارة )

 

عودة الى الفهرست

***

 

زوايا

 

دخلوا مبنى المطار مسرعين . توجها , لطفي  وابنه مؤيد , الى نافذة مكتب الاستعلامات :

- آنسة , متى تقلع  طائرة الخطوط الجوية العراقية الى بغداد ؟

- بعد ساعة.

- ومتى يجب على المسافر ان يكون داخل صالة الترانزيت ؟

القت نظرة على ساعة يدها وقالت :

- يمكن الدخول الآن .

تغضن وجه مؤيد وقال محتجا :

- لماذا الان , لماذا الان ؟

زجره الأب :

- هذا امر لا يخصك . فهمت ؟

عادا الى الضيف وأم مؤيد :

- ستقلع في موعدها المحدد .

- ممتاز .

- يجب ان تدخل الان . اعني بعد دقائق .

هتفت ام مؤيد :

- ولِماذا هذي العجلة ؟

فتح ابو مؤيد ذراعيه معتذرا بحنق :

- العفو . هذا ما قالته لي . اسأليها .

نظرتْ باتجاه نافذة مكتب الاستعلامات ثم في عيني الضيف ، وقالت متوسلة :

- اجِّل سفرك بضعة ايام . نرجوك ... تعودنا عليك .

رد الضيف بتأثر :

- اشكركم . اشكركم . بودي حقا ، لكن تعرفون ... انتهت اجازتي  ، يجب ان ارجع .

- مؤسف . هيأ لك المسكين ابو مؤيد برنامجاً لشهر كامل , نريك لندن كلها , وانت لا تبقى غير اسبوعين .

- هذه ظروفي .

- لعل اقامتك في بيتنا لم تكن مريحة .

تخضب وجه الضيف ورد بامتنان :

- بالعكس , بالعكس . وانا  قادم على اية حال مرة اخرى .

- متى ؟

- لا ادري بالضبط . سأكتب اليكم .

لم يشارك ابو مؤيد في الحديث . كان يقلب صحيفة ويختلس النظرات الى ساعة يده . قال مؤيد فجأة :

- اتمنى لو تتعطل الطائرة ويؤجلون سفرك .

- لا سمح الله , لا سمح الله .

قال الضيف واعقب :

- سأرسل اليك قصصا كثيرة من بغداد لتقوي بها لغتك العربية .

سأل مؤيد :

- انت عربي ؟

- طبعا. مثل بابا .

- انت صديق بابا ؟

- قلت  لك يا مؤيد الف مرة انني ابن خال بابا ... وصديقه ايضا .

- بابا رسام . وانت ؟

- انا عسكري . ضابط بالجيش .

اراد مؤيد الاسترسال في طرح الأسئلة , الا ان الام اشارت اليه بالسكوت ليصغوا الى نداءات مذيعة المطار وهي تحث مسافري الخطوط الجوية العراقية الى بغداد على التوجه الى قاعة الجوازات . استعد الضيف لمغادرة المودعين بحركات مرتبكة . صافح ام مؤيد وعانق مؤيد واباه . قال وهو يمضي :

- اثقلت عليكم . اثقلت والله .

همهم ابو مؤيد بكلمات مدغمة بينما ردت ام مؤيد :

- بالعكس . كنت ارق ضيف ( واعقبت مازحة ) واحلاهم .

تابعوه بنظراتهم من وراء الكواليس الزجاجية وهو يبتعد حتى استوقفه ممثل الخطوط الجوية. تصفح تذكرة سفره , اشتبكا في نقاش قصير عاد على اثره خائبا  :

- تأجلت السفرة .

سألت ام مؤيد باستغراب لكن بسرور :

- ماذا ؟ الآن فقط نودي عليكم .

- اعرف ، حصل خطأ . يجب ان ابقى يومين آخرين .

- عظيم عظيم عظيم .

هلل مؤي