|
محمود البياتي في انتظار الغريب
Waiting For The Stranger
Mahmoud Al - Bayaty * Short stories المؤسسة العربية للدراسات والنشر \ بيروت * الى منيرة التي ساندتني في اقسى الظروف
This book is dedicated to
*
الى
فرح
، التي غمرتني بحنانها الأخّاذ
Tahnks to
*
- عنوان الكتاب : في انتظار الغريب - المؤلف : محمود البياتي - لوحة الغلاف : بيكاسو - المؤسسة العربية للدراسات والنشر \ بيروت 2008
- فهرست - اهداء - شكر - مقدمة : الكتابة - تمهيد \ رولان بارت : مقاطع من خطاب عاشق .
2\ المفقود 3\ معطف 4\ جارتي 5\ الحصار 6\ الشخص الثاني 7\ المشبوه 10\ ضحك 11\ الحالم 12\ امرأتان ورجل 13\ اغتيال اوركيديا 14\ استفهام 15\ فاشية 17\ الغريب 18\ الانهيار - مسرحية ضد الخوف 19\ خطوط التماس 20\ العاقل 21\ التراجع الى خط الدفاع الاخير 22\ عصيان 23\ السؤال والمرآة 24\ الجواب
27\ قصيدة نيرودا : استطيع ان اكتب 28\ جغرافية الروح 29\ الخذول 30\ الطفل والسؤال 31\ النحات 32\ النفق 33 \ مسافر 34\ سكيتش 1 35\ سكيتش 2 36\ سكيتش 3 37\ سكيتش 4 38\ زلة
39\ قصيدة عامية : مرات مدري كيف 40\ احتفال 41\ زوايا 42\ سينما 43\ تاترا 44\ حين يمضي الزمن بنا في اتجاه معاكس 45\ الآخر
***
رافقني شبح فرانز كافكا عشرون عاماً داخل العاصمة التشيكية براغ : في دروب مالاسترانا , ستاروناميستي , قلعة هراتشاني , هضبة بترشيني , شواطئ فلتافا , جسر كارلوف , حانة اوفليكو ، والمكان الأحب لدي : مقهى سلافيا , المقابلة للمسرح الوطني . الكاتب الذي اعتبره شقيق كافكا الروحي صوموئيل بيكيت . عالج ذات المشكلة الجوهرية : أغتراب الانسان والوجود الملتبس . بطله مقهور , ضائع , عاجز , ومعزول كسمكة خرساء في حوض ضيق . ارى في (الصمت) غير الاعتباطي , الملازم لمسرح بيكيت , وظيفة تشبه وظيفة ( الفراغ ) في منحوتات جياكوميتي . القصة والرواية عاتبني الصديق الشاعر شريف الربيعي بالتلفون : - لماذا لا تكتب رواية ؟
هذا العتاب يعكس تصورا , لا اتفق معه , يفيد ان القصة القصيرة انجاز يسير , او
كما يشاع , اجازة استجمام للكاتب ما بين روايتين . وهي برأيي فن صعب ومستقل ,
كالرواية والقصيدة والمسرحية ومقالة النقد . انها تضطلع بما ليس من اختصاص
الرواية ولا ضمن قدراتها . الروائي الجيد ليس حتما كاتب قصة جيد . هناك من يرى
- مثل ترومان كابوت - ان قصص همنغواي القصيرة اجدر من الطويلة باستثناء (الشيخ
والبحر) . مطاردة السراب بطل قصصي انا \ وانت : العاشق , الفرحان , المشوش , المنتصر , والمهزوم ... يقول اراغون : الادب الصادق والحقيقي , الاوحد , هو ذلك الذي يصدر عن انسان يحكي اسرار تجربته الحياتية الخاصة , بكل حميميتها , بكل محاسنها ومساوئها ... لا اكترث جداً بوصف المكان . لكن احساسي حاد بالزمن وعدم الثبات والمفارقة . كل تجربة سعيدة اعيشها تستحيل برمشة عين الى ماض بعيد . كأنني اعيش الحاضر بذاكرة مستقبل مراوغ . للأبداع بواعث وغايات غامضة . مخيلة المبدع اداة للتغلغل المنطقي والمتخبط في دهاليز وفوضى المجهولات . والكاتب المبدع - كأي انسان - دائم التعطش الى اهم واخطر ما في صحراء الوجود : السراب ! بغداد , مسقط راسي . براغ , مسقط حبي . غوثنبرغ , ملاذ شيخوختي ... وقد تغدو لندن مثواي الاخير . الا ان روحي تشتاق , بلا جدل , الى هناك , الى نخلة , حتى ولو عجفاء ... نخلتنا لا تنبت في كل مكان . محمود البياتي
* مقتطفات من كلمة القاها بالنيابة , الشاعر الراحل الصديق شريف الربيعي , في مهرجان القصة \ غاليري الكوفة - لندن 27 \ 7\ 1996
***
التجربة الفنية في القص التجربة جسر معلق بين الطموح والنتيجة . الا ان النجاح ليس نتيجة طبيعية للطموح . فلا بد ان تتضافر معه شروط اخرى , مثل : استعداد فطري ومدروس , قدرة على الانصات بانتباه الى وقائع التاريخ العظمى , تفحص منجزات العصر في الأدب والفن والفلسفة والعلوم والتكنولوجيا الخ ... لم يكن ممكنا اضاءة المصابيح قبل ان نحك حجرا بحجر , ونعرف القبس , والشعلة , والسراج , والشموع . ما الذي يحفزني على ان اكتب رغم النعاس والمرض وملاهي الحياة ؟ ربما الحاجة الى معرفة : من انا ؟ او الرغبة في التواصل مع الاخرين ، او التآلف مع فكرة الموت ، او السعي لأحباط الاعيب الجنون ، او البحث عن معنى الوجود وسبل تلطيفه ، او مداواة قروح العشق ... في كل الحالات تبقى الكتابة زحفاً , في ميدان انساني عام ، وعر وشاسع , نحو هدف يقع بعيداً وراء ظهرنا . وللكتابة , كما اظن , جانب لا ارادي , كالضحك , كصراخ الفزع , كتأوهات النشوة . وهي بالنسبة لي كالافيون ايضا . يستعين القاص بمعايير نقد تعكس ذوقه ممزوجاً بالذوق الجماعي . غير ان الشك يلازم الأيمان بجودة ما يكتب . لذا يُخضع الكتابة الى عمليات تجميل \ تجويد متلاحقة ( شطب ، اضافات ، شطب ، اضافات ... ) بين ساعة وساعة , يوم ويوم , سنة وسنة , بلا توقف , حتى تصبح ( مقبولة ) من كليهما ، منه هو ( القاص ) اولاً , ثم من القارئ \ الذوق السائد . لكل منا نموذج في فن القص . ولديه اسرار كذلك . فانا اتعلم من اللوحات التشكيلية والموسيقى والغناء والبليارد وحتى الملاكمة . ان الفائز ليس بالضرورة المهاجم , ولا صاحب القامة الاطول , والعضلات الاكبر . لعل اتقان المراوغة وتفادي الضربات يحسم المنازلة لصالح الأضعف بدنيا ! الكتابة شهيق وزفير , قد تخلو من المتعة , لكنها - كالتنفس- ضرورية لبقائي على قيد الحياة . محمود البياتي * مقتطفات من كلمة القاها بالنيابة , الشاعر الصديق عبد الكريم كاصد , في مهرجان القصة الثاني \ غاليري الكوفة \ لندن – 12 \ 7 \ 1997
***
مقاطع من خطاب عاشق جموح الحب رولان بارت
1\ على الرغم من تعقيدات قصتي والأنزعاج والريبة واليأس , وعلى الرغم من رغبتي الجامحة في ايجاد مخرج ما ... على الرغم من هذا كله فإنني لا اكف في داخلي عن التأكيد على الحب كقيمة . اصغي الى جميع البراهين التي تتوسلها الانظمة المختلفة في محاولة منها لأعتاق الحب من اوهامه او للحد منها او لمحوها , أي في اختصار للتقليل من شأن الحب , اصغي اليها ولكني اعاند : " اعرف , اعرف , اعرف جيدا ولكن ..." واعزو السبب في الأنقاص من شان الحب وقيمته الى نوع من اخلاقية ظلامية , او الى واقعية مضحكة . وأقيم في مواجهة هذا كله حقيقة القيمة : اواجه كل " ما لا يسير جيدا " في الحب بالتأكيد على القيمة التي يساويها , هذه المعاندة هي احتجاج الحب واعتراضه . فمن بين جوقة " الحجج الوجيهة " التي تدعو الى الحب بشكل مختلف , الى الحب من دون عشق , يتصاعد صوت معاند يدوم وقتا اطول بقليل : انه صوت العاشق الذي لا يردع ولا ينثني . يخضع العالم كل تجربة لخيارين لا ثالث لهما : النجاح او الفشل , النصر او الهزيمة . اما انا فاعترض متسلحا بمنطق آخر : اشعر في الوقت نفسه وبصورة متناقضة بأنني سعيد وتعيس * . " فالنجاح " او " الفشل " لا يرتديان بالنسبة إلي الا معنى اتفاقيا وعابرا ( ولكن هذا لا يمنع ان تكون رغباتي وآلامي عنيفة ) ان ما يحركني بصورة خفية وثابتة ليس شيئا تكتيكيا . حين ارضى او اؤكد فهذا بمعزل عن قوانين الصواب والخطأ , وبمعزل عن الفلاح والاخفاق . ذلك انني اتنصل من أي غائية واعيش وفق الصدفة ( والدليل ان صور خطابي تأتيني ( كضربات النرد ) . واذ اواجه المغامرة ( وهذا ما يحدث لي ) , لا اخرج منها لا هازما ولا مهزوما , فانا مأسوي . ( يقولون لي : هذا النوع من الحب غير قابل للحياة . ولكن ما هو المقياس لتقويم قابلية الحياة ؟ ولماذا يكون " الخير " في ما هو مقابل للحياة. لماذا يكون الاستمرار افضل من الاحتراق ؟). 2\ هذا الصباح , علي ان اكتب في الحال رسالة مهمة يتوقف عليها نجاح مشروع معين . ولكني بدلا منها اكتب رسالة حب لا ارسلها . اتخلى جذلا عن مهمات مضجرة ووساوس متعلقة وسلوكيات ارتكاسية يمليها العالم علي . اتخلى عن كل ذلك من اجل مهمة غير مجدية ولكن نابعة من " واجب " صارخ , واجب الحب .
قلق في مواجهة هذا الاحتمال او ذاك , تجد الذات العاشقة نفسها منجرفة بالخوف من خطر او جرح او هجر او تحول . هذا الشعور تعبر عنه بكلمة قلق. 1\ هذا المساء , عدت وحدي الى الفندق , قرر الآخر ان يرجع في وقت متأخر من الليل , وها هي طعوم القلق ( الغيرة والهجر وانشغال البال ) حاضرة منذ وقت هنا , كما السم الجاهز , ترتقب فقط تصرم بعض الوقت حتى تستطيع الاعلان عن نفسها بلياقة . اتناول “ بهدوء " كتابا ودواء منوما . صمت هذا الفندق الكبير صاخب , لا مبال , ابله ( خرير بعيد لمغاطس تفرغ ). الاثاث احمق , المصابيح حمقاء , لا شئ اليف يمكن الاستدفاء به . القلق يتنامى . اراقب تصاعده واشعر به ( وانا اقرأ ) كما كان سقراط يشعر , وهو يثرثر مازحا , صعود برد السم اليه , اصغي الى التحلق يعلن عن اسمه ويتعالى مثل صورة لا ترحم مطروحة على خلفية الاشياء التي هنا . ( وماذا لو نذرت امنية من اجل ان يحدث شئ ما ؟ ) . 2\ يعيش مريض الذهان في خوف من الانهيار ( فالذهانات على انواعها قد لا تكون الا شكلا من اشكال الدفاع ). لكن " الخوف السريري من الانهيار هو خوف من انهيار اختبر من قبل (...) وثمة اوقات يحتاج فيها المريض لان نقول له ان الانهيار والخوف منه , هذا الخوف الذي ينخر حياته , قد حدث من قبل " . كذلك الامر بالنسبة الى قلق الحب : انه الخوف من حداد حدث في ما مضى , منذ ابتداء الحب , منذ اللحظة التي افتتنت . ربما ينبغي على احدهم ان يقول لي : " لا تستمر في القلق , لانه سبق لك ان فقدت حبيبك ( حبيبتك ) ". السفينة الشبح ** مع ان كل حب يعاش وكأنه الحب الوحيد . ومع ان العاشق يستهجن فكرة تكرار الحب لاحقا في مكان آخر , إلا انه يفاجئ نفسه احيانا متلبسا بحالة من ذيوع رغبة العشق في داخله . ويفهم عندئذ انه منذور للتسكع من حب الى حب . حتى الموت. 1\ كيف ينتهي الحب ؟ ماذا او اين ينتهي اذاً ؟ لا احد اجمالا - باستثناء الآخرين - يعرف شيئا من ذلك . ان هالة من البراءة تقنع هذا الشئ , الذي تكون وترسخ وعُيِّش محاكيا الابدية . ومهما يؤول موضوع الحب , كأن يختفي او ينتقل الى منطقة الصداقة , فلن يتسنى لي , في جميع الاحوال , ان اراه يتلاشى : الحب المنتهي يبتعد الى عالم آخر مثل مركبة فضائية توقفت عن الأيماض . كان الكائن المعشوق يضج صاخبا , وها هو الان يرتد فجأة الى دمدمة مخنوقة ( الآخر لا يختفي ابدا في الوقت الذي توقعنا ولا بالطريقة التي تصورنا ). هذه الظاهرة ناتجة عن قيد ملازم لخطاب العشق : لست شاعر هذه القصة ( منشدها ) الا في البداية . اما نهاية القصة , مثلها مثل موتي , فتنتمي الى الآخرين . اليهم يعود امر كتابة روايتها أي سردها الخارجي , الاسطورة. ما ان اكتشف نقصاني ولا اتجرأ في الوقت ذاته على قتل نفسي , حتى يصبح التجوال في الحب محتما . ورثر نفسه خبر هذه الحالة متنقلا من " ليونور البائسة " الى شارلوت . صحيح ان الحركة توقفت عند هذا الحد. ولكن , لو تسنى لورثر البقاء على قيد الحياة , لأعاد كتابة الرسائل نفسها الى امرأة اخرى. 3\ للتسكع في العشق جوانب مضحكة : انه يشبه رقصة باليه تحتدم وتيرتها كلما زادت سرعة العاشق الخائن. حكم على الهولندي الملعون ان يجوب البحار طالما لم يعثر على المرأة ذات الوفاء الابدي . انا ايضا هذا الهولندي الشريد , ومثله لا استطيع التوقف عن التجوال ( الحب ) بموجب سمة قدمية نذرتني في الازمنة البعيدة لطفولتي , لأله خيالي , وارغمتني على تكرار عبارة " احبك " من محطة الى محطة , املاً بأن يتقبل احدهم هذه العبارة ويردها لي . لكن لا احد يستطيع تعهد الجواب المستحيل ( ذي الكمالية التي لا تحتمل ) ويتابع التجوال . حنان لا يمكن لهذا الغياب المحتمل كما يجب , ان يكون شيئا آخر الا النسيان . انا خائن بتقطع وهذا هو شرط بقائي , لأنني اذا لم انس اموت , العاشق الذي لا ينسى احيانا يموت من فرط التعب واجهاد الذاكرة ( كما هي حال ورثر ) . 5\ أحكي للغائب خطاب غيابه من دون انقطاع . وهذه المغايبة غريبة اجمالا . فالآخر غائب بصفته مرجعا , وحاضر بصفته مخاطبا . وينشأ من هذا الانعطاف الخاص حاضر لا يحتمل . فأنا محاصر بين زمنين , زمن الارجاع وزمن التخاطب : لقد رحلت ( وهذا ما اشتكى منه ) لكنك هنا ( لأنني اتوجه بالكلام اليك ). 6\ قد يأخذ " الحرمان " صورة الحضور ( ارى الآخر كل يوم من دون ان اشعر مع ذلك بالاكتفاء . موضوع رغبتي موجود هنا امامي , ولكنني افتقده باستمرار وبطريقة خيالية ). 7\ اجلس وحيدا في احد المقاهي. يأتي الآخرون لتحيتي . اشعر انني محتضن ومرغوب بي ومثير للاعجاب . لكن الآخر غائب. استحضره في داخلي لكن يردعني عند حافة السقوط في هذه الممالقة الاجتماعية التي تقف لي بالمرصاد. احتكم الى " حقيقة " الآخر ( الحقيقة التي اشعرني بها ) لأواجه هستيريا الاغراء التي اشعر بأنني انزلق فيها. اعزو لغياب الآخر مسؤوليته عن تهتكي الاجتماعي , اتوسل حمايته وعودته : فليظهر الآخر ولينتشلني كأم جاءت تسترد ولدها , من التألق الاجتماعي والتبجح الاجتماعي , وليعيد لي الحميمية الدينية لعالم العشق " فداحته " . 8\ قال راهب بوذي : " امسك المعلم براس تلميذه تحت الماء لفترة طويلة جدا. وشيئا فشيئا اخذت الفقاعات تتناقص لكن المعلم انتشل في اللحظة الاخيرة تلميذه وانعشه . عندما ترغب في الحقيقة رغبتك في تنشق الهواء , عندئذ تعرف كنهها ". وغياب الآخر يمسك براسي تحت الماء , هوائي يندر واصبح على شفير الاختناق . لكني اعيد من هذا الاختناق بناء حقيقتي وأهئ للمستعصي في الحب . * هذه مقتطفات من كتاب " مقاطع من خطاب عاشق " اصدره رولان بارت العام 1977 , وترجمت ماري طوق نصوصا منه " الحياة " 6 تشرين الثاني 1994 .
هوامش * بلياس : ما بك لا تبدين سعيدة ". مليزاند : " بلى , بلى انا سعيدة , ولكن حزينة ". ** يشير العنوان الى الخرافة الشمالية القديمة التي استلهم فاغنر اوبرا من وحيها , وهي ترمز الى البحث عن الوفاء الأبدي في الحب . يهيم الهولندي بريك البحار املاً بأن يلتقي المراة ذات الوفاء الابدي . السفينة الشبح ترمز الى الاحلام السامية الرفيعة ولكن غير المتحققة \ المترجمة .
***
1\ دموع أتركُ بغداد الى براغ لدراسة علم النفس . اتعرف على فتاة بوهيمية في مقهى . تحبني بقوة وأخلاص . اخونها . تذرف الدموع وتنهي العلاقة . اتعرف في بار على راقصة من تايلند . تحبني بقوة وأخلاص . اخونها . تذرف الدموع وتنهي العلاقة . اتعرف على عربية في لقاء حول الديانات وحقوق الانسان . احبها بقوة وأخلاص . تخونني . تذرف الدموع وتنهي العلاقة .
2\ مخالفة أي شئ اقول لزوجتي ترد على الفور : - لا , بالعكس . قلت مرة : - صديقتك سهيلة اجمل من اختها سناء . قالت باستنكار : - لا , بالعكس . بعد اسبوع اختيرت سهيلة ملكة جمال الصيف . قلت : - لكنها تبدو مريضة . - لا بالعكس . انها مثل القطة ، تملك سبع ارواح . وفي الشهر التالي اجرت سـهيلة عملية استئصال ورم خبيث في الثدي . اقترحتُ ونحن متوجهان لعيادتها في المستشفى : - لنأخذ الترام الى آخر محطة باتجاه ساهلغرينسكا . قالت : - لا بالعكس . الى آخر محطة باتجاه انغريد . وحين وصلنا انغريد اتضح ان المستشفى يقع في ساهلغرينسكا . تأخر الوقت . اجّلنا العيادة . اجهدني التجوال في الاسواق , فرجعنا للبيت مساءً . قلت : - تبدو عيناك حمراوتان من شدة النعاس . قالت وهي تتثائب مستلقية على الاريكة : - لا بالعكس . سأصاب الليلة بالارق . سألت : - وماذا سنتعشى ؟ لم ترد . سمعتُ فقط شخيرها الخفيف . اخرستُ التلفزيون , ومضيت الى المطبخ .
3\ حرص صديقي منيف في الاربعينات من عمره . مرح . وسيم . متورد الوجنتين . مفتول العضلات . يمارس الهرولة والسباحة فجراً . لا يدخن . لا يشرب الكحول . لا يسهر . يعيش في بحبوحة من عائدات مزارع عنب , في وسط تونس , ورثها عن الجد . يمضي شهرين من كل سنة في ريف فرنسا . مولع في حث الآخرين على التمسك بنظام غذائي يؤخر اعراض الشيخوخة . يتناول وجبات طعامه في المواعيد . يتجنب المأكولات الدسمة والخبز والحلوى . يكثر من الفواكه , الاسماك , الدواجن , العسل . اخلد ليلة امس الى النوم ولم يفق .
4\ ضحكة اقول الى لفيف من الاصدقاء : - انتم مخطؤون . هو حساس ، دمث ، مؤدب . ويحبني كثيرا . لذلك احبه . يدق التلفون : - هلو ؟ - هلو . لا اتعرف على الصوت : - من ؟ - لؤي . - لؤي ؟! - لؤي لؤي . - مصاب بالرشح ؟ - لا . - صوتك متغير . - ربما . - يالها من صدفة . الآن اتحدث عنك ... - اعرف . يَصلني كل ما تتحدث به في المجالس . - حقا ؟ يتنحنح عدة مرات ويقول : - اسمع خلدون بانتباه . - تفضل . - لم اعد احتملك اكثر . - أُف ! - انت اسوأ انسان عرفته في حياتي . تخرسني المفاجأة . يردف بانفعال وبطء : - يبدو انني ما زلت اخطئ في تشخيص جوهر الناس رغم تجاربي الكثيرة ... وفي محاولة مرتبكة لأستيعاب ما يقول اتمتم : - انت مثلي . يحتج بغضب : - لا . نحن مختلفان جدا . - صح . - اقصد بصراحة انني انسان شريف . - طبعا , لكن ... يقاطعني بصوت اعلى : - بينما انت مجرد نذل , تافه ، غبي ، لص ، وضيع . ويغلق التلفون بعنف . أبعد السماعة عن اذني . اصاب لحظات بالذهول ثم اضحك : - ما هذا ؟! تتركز عليَّ انظار الجميع متسائلة : - ماذا ؟ اواصل الضحك , فيزداد فضولهم : - علام تضحك ؟ - لا ادري ...
5\ الوصول تُوجه لي دعوة لتناول العشاء الصيني , مع عدد من ابرز الصحفيين , في ارقى مطعم بمدينة غوثنبرغ فأصاب بالرشح , او بالاسهال , او آخذ خطأً الترام في الاتجاه المعاكس . واذا وصلت اخيرا في تمام الساعة السابعة يتضح ان الدعوة كانت في مثل هذا الوقت بالضبط من يوم امس .
6\ بانتظار الثناء اخفي مشاعر الاعتزاز والفرح وأُبلغ الرفيق المسؤول ، في رسالة قصيرة ، بما انجزت خلال زيارة فنلندا ( 1981 ) مدعواً من صديق شاعر ديمقراطي - هانو يليلهتو وزوجته الشيوعية تاريا : 1\ اجرت معي الروائية تلرفو تومينن مقابلة للاذاعة ومقابلتين صحفيتين هاجمتُ فيها الأستبداد في العراق بأسمي الصريح . 2\ وزعتُ بياناً في مؤتمر هلسنكي ( السلم والشباب ) يفضح انتهاكات السلطة وجرائمها الكثيرة . 3\ القيتُ محاضرة في مدرسة حول الحرب مع ايران . 4\ اتفقت مع ثلاث جرائد على نشر مقالات نرسلها نحن تتعلق بأوضاع بلادنا والشرق الاوسط . 5\ اتفقت مع جامعتين على تخصيص مقاعد دراسية للمعارضين من طلبتنا . 6\ اتفقت مع المحامي المعروف ( اريكسون ) على استقبال لاجئين . ... بعد اسبوع يبلغني الرفيق اعتذار الحزب عن تمديد اقامتي في تشيكوسلوفاكيا .
7 \ ثقوب في السويد ، كما في براغ ، ينبغي خلع الأحذية حين تدخل بيتاً . ولذلك احرص على شراء افخر الجورابات . لكن يصادف ان ارتدي بالخطأ جورابا مثقوب . اتقاعس عن تبديله . اقول لنفسي : - انا ماض الى دكان الحي ليس إلا . وفي الطريق اقابل احد المعارف . لم اره منذ سنوات . يدعوني بالحاح لشرب القهوة في بيتهم . وحالما اوشك على خلع الحذاء , تأتي الزوجة مرحبةً باحترام فائق , ويلتف حولنا الاطفال , يتفحصونني بدقة وفضول من فوق الى تحت . عندئذ اتذكر , بعد فوات الآوان , الثقب والأبهام الذي سيطل منه .
8\ تأخير كلما اريد ترك البيت للحاق بموعد هام ارتدي البلوز بالمقلوب . اخلعه بعجلة وارتديه بالمقلوب ايضا . وحين اهم بقفل الباب يدق التلفون . اتجاهله على مضض . اهبط في المسرى ( المصعد ) * , فأتنبه الى انني نسيت الساعة . ارجع لأخذها . وفي الطريق الى محطة الترام اتفقد نظارتي الطبية . ارجع . على درج محطة الترام اتحسس الجيب فلا اجد محفظة نقودي ولا بطاقة الأتمان . ارجع . ارجع . ارجع ... وبعدما أطمئن الى ان كل ما احتاجه اصبح بحوزتي اترك البيت ركضاً , فتختفي الشمس خلف سحب داكنة ويهطل المطر بغزارة لم تعهدها البلاد منذ قرن ... وانا بدون مظلة .
9 \ اثلام اذا استخدمتُ في مناسبة واحدة قدحين , احدهما غالٍ والثاني رخيص , ينكسر الغالي . اكسر في الشهرين عشرة اقداح . ولكنني اجهل لماذا تُعمّر الاقداح الأرخص . فما ان امس , برفق , قدح كرستال , ينكسر , او يفلت من قبضتي وكأنه صابون لزج . اما القدح العادي , المثلوم , المكروه , فيبقى الى الابد , رغم استخدامي المفرط له في شرب الشاي والقهوة والماء واللبن والنبيذ . في الواقع , انني اتعامل معه بمنتهى الفظاظة , بل باستهتار , كأن اقذفه الى حوض المغسلة , ولا يحدث له أي شئ . اتقصد اسقاطه على الارض بحجة السكر , ولا يحدث أي شئ . ادق بكعبه مسمارا في حائط من اسمنت , ولا يحدث أي شئ . عندئذ القيه بيأس في الدولاب واخرج قدح كرستال , املأه بالعرق واسترخي امام التلفزيون لمتابعة برنامج ( فكاهات ) فيتبين لي انه سخيف . اقرر تبديل المحطة . وحالما تمتد يدي نحو جهاز التحكم عن بعد , تلامس عفوا القدح , فيسقط على الارض . اتطلع ببلادة الى شظاياه . ثم ابدأ جمعها بصبر نافد فأجرح اصبعي . اضمده بمنديل ورق وامضي الى المطبخ . اخرج القدح المثلوم وانا اكبت بمشقة رغبتي في الزئير .
***
( اعلان ) من مستشفى الفضل للولادة , وفي اثناء غيبوبتي , خرج ولم يعد , قبل تسع واربعين سنة , ولدي محمود كامل . يرجى ممن يعثر عليه , او يعرف أي شئ بهذا الخصوص , ابلاغ اقرب مركز للشرطة , او الاتصال تلفونياً برقم ( 3312165 ) وأجره عند الله لا يضيع . الاوصاف حسب شهود عيان موثوق بهم : - الطول 173 سنتم . - الوزن 75 كغم . - العينان شهلاوتان . - الشعر اسود موخط بالشيب . - العلامات الفارقة : شامة على خده الأيمن . وتشير المعلومات ان ولدي العزيز يحمل على الدوام حقيبة يد من النوع الذي يعلق على الكتف . يلبس في الغالب ثياباً غامقة اللون او سوداء . مارس عدة مهن بينها تصميم ديكورات . طُرد من العمل وسجن مرارا بتهم سياسية على الارجح . مفرط في معاقرة الخمر والتدخين . مصاب بالكآبة , رغم سلوكه على نحو طبيعي مع الناس , وبخاصة مع الضعفاء منهم والمجانين والمرأة . نجا صدفة من مخاطر كادت تودي بحياته , فترك الوطن الى اوربا بتاريخ مجهول . اتوسل الى ذوي المروءة والرحمة مساعدتي في ايجاد ولدنا المعذب الذي نشر , في غضون أدائي فريضة الحج , اعلاناً في الصحف يخلو من العنوان , يفتش بواسطته عني ويقول : الحياة صعبة يا ماما , اريد ان ارجع الى بطنك . لم افهم القصد بالضبط . لعله يمزح معي . على اية حال , فلو كان بالوسع تلبية هذه الرغبة لما توانيت . استغفر الباري عزَّ وجل وأعوذ به من الشيطان الرجيم . والدة المفقود المفجوعة ناجية شكر الله 17\2\1993 العنوان : مستشفى الامراض العقلية \ ردهة رقم 9 ج - بغداد
***
تعطلت الكهرباء في المستشفى . صعد الخياط العجوز الُسلّم العادي الى الطابق الثالث . قعد متهالكا على آخر درجة ريثما استراح وسكن لهاثه . * قام مستعيناً بدرابزين السلم . جاوز عتبة تفضي الى وسط ممر طويل نظيف . تلفت بحيرة , واختار جهة اليمين , فاتضح ان غرفة (78 ) التي يقصدها تقع في نهاية اليسـار . قال متذمرا : لكم يحبـون التعقيد !
* فتح بلا دق الباب ليُبهج دكتور كمال بقدومه المفاجئ . مدَّ الرأس الأصلع باسما . لم يلحظ سوى بلبلين يرفرفان داخل قفص على حافة النافذة . ساوره شك ( اخشى 87 ؟ ) ... ورجع باتئاد الى نهاية الجهة المعاكسة من الممر . فتح الباب بعد دقة واحدة . رأى مضمدا صغير السن , يجلس خلف طاولة , يقلب باستغراق ومتعة صفحات مجلة . تنحنح وسأل بصوت خشن : - دكتور كمال موجود ؟ ( واعقب فوراً ) صباح الخير . رد المضمد ( لا ) ولم يرفع راسه عن المجلة . تفحص العجوز انحاء الغرفة الواسعة واثاثها الابيض فتسمرت عيناه المزرورتان على مشجب في الزاوية , يتدلى منه معطف اسود : - وما هذاك ؟ سأل بارتياب . رفع المضمد راسه فرأى العجوز \ ناصبا بمشقة قامته القصيرة ويخزر بعينين صارمتين تحضان على المداعبة اكثر مما تخيف : - ماذا تأمر ؟ خاطبه بلطف . تقدم العجوز خطوة واعاد السؤال مقرونا بإشارة عصبية من الأصبع : - ذاك ذاك ذاك ... اليس معطف دكتور كمال ؟ ( واضاف ليحرك اهتمام المضمد ) صديقي . التفت المضمد الى المعطف , فالى العجوز , وسأل متصنعا السذاجة : - من صديقك ؟ المعطف ؟ صرخ العجوز بحزم : - دكتور كمال . دكتور كمال احمد . هذاك المعطف . انا خيطته بهذه يدي قبل سنة او سنتين . ايده المضمد : - نعم . هذا معطف دكتور كمال . - وانت تقول غير موجود . - المعطف ؟ - عجيب ! كمال . دكتور كمال احمد . صديقي . - ولكن هو حقا غير موجود . - وهذاك معطفه ؟ الا تراه ؟! - التفت المضمد الى المعطف ، وقال : - اراه . ولكني لا ارى دكتور كمال داخله . حك العجوز ظهر الرقبة . رمق المضمد بيأس , وحاول ضبط انفجاره : - ولدي . انا مريض . سكَّر وضغط مرتفع . يقولون . ما ادري . جئت اتأكد . اما هذا عقلي فسليم . اعني يمكن دكتور كمال موجود داخل المعطف ( واستدرك صارخا بغضب ) المستشفى . داخل المستشفى . كتم المضمد ضحكة كادت تفلت . اخذته الشفقة على العجوز الذي يستنزف قواه الواهنة عبثا : - مُرْ بغرفة 78 لعله رجع . انطلقت كالسهم نظرة من عيون العجوز الشزراء صوب المعطف , مستفهمة ( وماذا يفعل هذا هنا ؟ ) فأوضح المضمد : - نساه كالعادة . نساه عندنا في بداية الدوام . شرب قهوة . ما مشكلة . كل شئ انجلى للعجوز الذي شق عليه مشهد المعطف متدليا من المشجب باهمال وتراخ , كمشنوق منزوع الراس والرجلين . كظم غيظه ( ما شأني ؟ ) وسد الباب . مضى الى غرفة 78 , فلمح البلبلين يتناقران برقة وصمت على ارجوحتيهما ... شرد ذهنه : كم هو سئ حظي . ادخل المستشفى تنقطع الكهرباء . اصعد انزل , اروح يسارا يمينا , ولا اجد في النهاية غير معطفه الذي شخصّته , والحمد لله , بحدة نظري وذاكرتي العجيبة . اما ضغط الدم فهو الذي يجعلني اسرف في تضخيم الامور والأنفعال سريعا لأتفه الاسباب . وإلا ما خطأ هذاك المضمد الأبله كي اسخط عليه واوبخه ولا اقل له حتى مع السلامة ؟ وما تفسير نوبات انفجاراتي المباغتة مع الصناع والزبائن والاصدقاء وزوجتي المسكينة التي تعودت طبخ وأكل ( الماصخ ) خوفا على صحتي انا ؟ - غووورد كوكو دا غووورد غووورد . صحّاه تغريد البلابل . دندن هامسا كلمات اغنية قديمة ( كل الحبايب اثنين اثنين ) وسد الباب . قرر بفرح ان يشتري لزوجته , في طريق العودة الى البيت , كيلو رمان ولب جوز . قرر ايضا ان يتعامل مع الحياة ( من الآن ) بعدم اكتـراث ( او بسفاهة سفاهة ) لفظ الكلمة وكأنه يقنع بها شخصاً آخر . مشى بجذل نحو السلم لينصرف ويفحص ضغطه غدا , فتقابل عند مخرج الممر مع المضمد . ضيّق الجفون الذابلة ليتثبت نظره على المعطف الأسود الذي يرتديه , فيما سأل المضمد بتلعثم : - ها , لقيت الدكتور ؟ ادرك العجوز انه مخدوع ( اضحوكة ) ... فهذا المعطف لم يخطه هو . ارتبك التنفس ودقات القلب . اراد تحويل الامر الى مزحة , فاختلج فمه وازرق ثم سقط على الارض .
***
جارتيمنذ بدأتُ التلثم بشال , في مطلع هذا الشتاء القارس , اخذت العجوز كارين تتجنبني . تقابلنا مرة في الطريق فقفزت الى الرصيف الثاني . اقتربتُ منها عند محطة الباص فتراجعتْ خطوتين . القيت تحية الصباح فأشاحتْ وجهها عني . فكرت : لعل الجوهر العنصري بان . تكره الاجانب . لكن سرعان ما فاجأتني خارج دكان لبيع الفواكه بسؤال من بعيد : - لماذا تتلثم يا عامر ؟ ازحت الشال عن فمي لتسمع : - برد . برد يا كارين . انني من بلاد حارة . عراق . دنت مني وهي تضحك : - اوه , يا الهي , انت اذن بخير , لست مصابا بالرشح . - لا . - كنت اظن ... كنت اخشى ان تصيبني بالرشح كما فعل في الشتاء الماضي احد المعارف . جلس معي في حجرة القطار من ستوكهولم الى غوثنبرغ ... وحدثتني بحرارة عن اسباب الرشح واجراءاتها الوقائية ضده : حليب ساخن . شاي . عسل . ثوم . كما ابدت استيائها من عجز العلماء عن التغلب على مرض تافه في الأرض , بينما يعبثون كالاطفال بين النجوم ... بعد ذلك افتقدتُ العجوز كارين فترة طويلة . سألت عنها امس منظفة العمارة الشقراء وانا متوجه بمزاج رائق الى البيت . توقفت عن كنس الممر الضيق , لتقول : - توفيت . - توفيت ؟! - بسرطان الكبد. - سرطان ؟! استندت المنظفة الى عصا المكنسة وقالت بنبرة حزينة : - كانت مصابة منذ شهور ولم تكن تدري ( استأنفت الكنس ) لحسن حظها لم تتعذب كثيراً . ندت مني ضحكة عفوية اثارت استغرابها , أوضحتُ : - كان يفزعها الرشح ... - ماذا قلت ؟ - لا شئ . تلثمت بشالي ومضيت لشراء علبة سجائر وزجاجة نبيذ .
***
انهالت فجأة زخة رصاص . انبطحتُ على الرصيف ، وراء جذع نخلة ، ثم عدت زاحفاً عبر الحديقة الى الداخل . تفحصت جسمي في مرآة مستطيلة ؛ بطولي ، فلم اجد أي اثر لجرح او حتى لخدش .
** دنوتُ بحذر من الباب . رأيته رابضاً خلف متراس متحرك . انه جاري الغامض والوحيد في هذه الواحة . لم اتوقع ان يطلق النار عليّ هذه المرة . فقد لحظته مشغولاً في الايام الاخيرة بنباتات حديقة بيته وبالرسم ومطالعة الكتب والاستماع للموسيقى . خيل لي انه نسيني . لكن يبدو ان المسلك البرئ كان خدعة جعلتني اطمئن وافكر بمغادرة البيت .
** حتى الآن لم اجد سبباً يدعوه الى منعي من مغادرة البيت . فهو يتجاهلني حين اجلس عند النافذة او اتمشى في الحديقة ... ويطلق الرصاص عليّ إن وطئتُ رصيف الشارع العريض الفاصل بيننا .
** تساورني احياناً فكرة مجنونة \ ان اعبر الشارع واعانقه . صرخت امس من النافذة : - اسمعْ ، لماذا تحاصرني ، لماذا تمنعني من مغادرة البيت ؟ لم يرد . حاولتُ تبين ملامحه فلم اوفق . فهو يبدو شيخاً في الستين ، وطفلاً تارة اخرى . ويبدو كذلك بهيئة امرأة او شاب مألوف لدي .
**
لم ايأس على اية حال . سعيت للتفاهم . جربت مصادقته ليؤمن بأنني لست عدواً ، لكنه بدد هذه الفرص . ظل يتصرف كما لو انني عازم على الحاق الاذى به . هل يؤذي مجرد وجودنا في مكان واحد ؟ إن كان ذلك حقاً ِلمَ لا يسمح لي بمغادرة البيت والتواري عن الأنظار الى الابد ؟
**
كتبتُ رسالة : ( إن سمحتَ لي بمغادرة البيت اتعهد بعدم الرجوع . وانا حاضر لتلبية أي شرط يساعدني على مغادرة بيتي قبل ان اصاب بالجنون ) . وضعتُ حجراً داخل الرسالة ، ضغطتها بيدي ثم رميتها اليه . جاوبني بعد قراءتها بوابل من الرصاص .
**
يبدو انني سأبقى سجين البيت . ما العمل ؟ قرأتُ مرة تعليق جدي على حاشية كتاب : ان الأقتناع بعدم وجود حل هو حل ايضاً .
**
استسلمتُ لقدري . لجأت الى زراعة الفواكه والخضر والحبوب املاً في تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي بالطعام . وسّعتُ حقل الدواجن . صنعت من العنب نبيذاً يكفيني سنة . وبالضد من كراهيتي المتنامية للجار عرضت عليه تذوق النبيذ . وقفت خلف عتبة الباب ولوحت له بالكاس : - انظر ، تعال تذوق نبيذي . لم يرد . اكتفى بتجاهلي .
**
ها انا اهرم في بيتي . هو يهرم في بيته . أخذتْ تراودني فكرة الانتحار . سأحدد انا وقت واسلوب موتي .
**
ولكن لم لا اعامله بالمثل ؟! اخرجت بندقية جدي وعلب الذخيرة من القبو . مسحت عنها الغبار والشحم فغدت جاهزة للاستعمال . سأمنعه من مغادرة البيت . توجهت الى النافذة واطلقت النار بلا توقف الى ان تعبت .
**
اصبح كلانا محاصراً . ما جدوى ذلك بالنسبة لي ؟ يجب اللجوء الى وسيلة اخرى لفك الحصار . لم اعد احتمل وحدتي في هذا البيت الموحش .
**
يوم مشمس . انا ملئ ثقة وبهجة . وقفت امام مرآتي عارياً . حلقت الذقن . تعطرت بماء الورد . ارتديت ابهى الثياب ، وخرجت دون سلاح . عبرت الشارع الى حيث يقع بيت الجار . استقبلني بصليات متلاحقة من الرصاص . لم اكترث . شعرت فقط بلسـعات غير مؤثرة في انحاء جسمي . واصلت التقدم بعناد . ترك المتراس مرفوع اليدين . اقتربت اكثر . ظل يحدق في عيني بهلع ؛ لا يدري ماذا ستكون خطوتي التالية . تمعنتُ فيه ... لَكَمْ هو فاتن ! فتحتُ الذراعين فألقى برأسه على كتفي وانفجر منتحباً .
***
القى الفرشاة على الارض وحدق في اللوحة بيأس . لم يتبادل الحديث مع احد منذ نحو شهر . ظن رائحة الفم ستصبح لذلك كريهة , او غريبة , كرائحة فم الخرسين. جرّبَ الغناء . لم يعجبه الصوت . تجشأ وقرر اختراع شخصية يحادثها في اوقات الفراغ او عند الحاجة . التفت الى شخص وهمي وقال باسماً : - هلو . انا فريد . رسام . تفضل اجلس . رد بنبرة مختلفة : - شكرا . انا اسمي سعيد . رسام كذلك . - وهل انت موافق على العيش معي ؟ - بكل سرور سيدي . - ارجو ان ترفع الكلفة بيننا . - كما تشاء . - قهوة ؟ - لا , شكرا . - متأكد ؟ - متأكد . - حسنا . إشغلْ نفسك بتصفح هذي المجلات او بالتفرج على لوحاتي .
مضى الى المطبخ . اعد فنجان قهوة ورجع الى مرسمه المزدحم بالاوراق والكتب والسكيتشات والكنفاس , قال : - انا عندي عمل كثير لكن بودي التحدث . - اسمعك . تمدد فوق الاريكة واشعل سيجارة : - ارجو ان تروي لي نكتة اولاً . - لا احسن رواية النكات للاسف . - حاول . - لا احسن رواية النكات . - حاول , حاول . - بدلاً من ارغامي على رواية النكات انهض وارسم . رد بغضب : - انا اقرر متى ارسم . - لا تراوغ . إعترف انك نضبت , كفنان . - ما هذا اللغو ؟ - ليس بمقدورك مزاولة الرسم كالسابق . اتسعت عيناه دهشة : - كيف تجرؤ وانت ضيف على مخاطبتي هكذا ؟ - العفو . - انت غير موجود في الواقع . - هل تتحدث الى شخص غير موجود ؟ - انا اتحدث الى نفسي . - مجنون ؟ جاوب بحزم : - إخرس . كن مؤدبا . انني اتسلى فقط . - ارفض ان اكون اداة للتسلية . ضحك فريد . اعجبته اللعبة . اعاد فنجان القهوة فارغا الى المطبخ . هيأ قدح نبيذ ورجع ليقول : - سعيد . - نعم . - وجودك اصبح يزعجني . - لماذا ؟ - تعال غدا . - لماذا ؟ - عندي اليوم عمل كثير يجب انجازه . - لن اخرج من هنا . كان رده قاطعا . قال فريد : - ستخرج . - لن اخرج . شحب وتندى بالعرق : - ستخرج فورا . فهمت ؟ - لن اخرج . كرع النبيذ دفعة واحدة , اغمض عينيه , وقال بهدوء من يوشك على الانفجار : - اخرج . من . بيتي . فورا ... الآن . بنفس الهدوء رد : - اصبح هذا بيتي وليس بوسع احد اخراجي منه . - لكني اريد ان اكون ... - انا اريد ان اكون وحدي ... انت اخرج . اعترى فريد الذهول والخوف , فصاح بأعلى صوت : - اخرجْ ( ثم قالها بتوسل ) اخرج ارجوك . اريد ان اعمل . اريد ان اكون وحدي . هيا اخرج . ارجوك ارجوك ارجوك ...
***
فتح خليلو نافذة المطبخ . تمعن بمزاج رائق في مشهد الهضاب الخضراء وجلس يأكل الفطور . وصلت بالفاكس من لندن نشرة حزبية تتهمه بالعمالة للنظام الدكتاتوري . قرأها دون انفعال . كوّم الصحون مع بقايا الطعام في المغسلة وقطب الجبين . شعر فجأة بغثيان ومغص حاد في المعدة . هرع الى التواليت وبقي فيه دون جدوى ساعة .
صار يقضي منذ ذلك الحين معظم وقته بالتواليت , حيث يقرأ الصحف والمجلات والكتب استثمارا للوقت الضائع . لكن المشكلة ان جرس التلفون يرن حالما يبدأ المهمة او يوشك على الانتهاء منها . ومع كل رنين تتشنج العضلات وتنغلق منافذه على التفكير والتركيز . اذا عجّل في الخروج ورفع السماعة لا يتكلم احد , او يتضح ان المتكلم شخص بلا اهمية . اما اذا تركه يرن , يتضح فيما بعد ان الذي تلفن شخص عزيز . جرب مرارا ارجاء دخول التواليت الى آخر برهة , وما ان يدخل يرن ... قال : لو انني ( شيزوفرينك ) لظننت ان هناك من يترصدني عبر كاميرات خفية وهو الذي يوعز , او يوحي , الى شخص محدد ان يتلفن ...
ورغم الاقتناع بأن الذي يحدث هو محض صدفة , فلا يمكن لجهة ما الاهتمام بمضايقته على ذلك النحو بالذات , الا انه يتساءل : حسنا , وكيف تتكرر نفس الصدفة كل يوم ؟
اصبح خليلو مرتابا , سهل الاستثارة , يلهط كميات غير منضبطة من الاطعمة والحلوى والآيس كريم , بل اصبح يأكل دون الاحساس بالجوع . وإن اصيب بالتخمة يعتريه الحنق , فيلجأ الى اجراءات احترازية : يتعمد التقيوء , يشرب السوائل , يمضغ عقاقير تضعف الشهية , ويقصر الغذاء على لبن رائب يفاقم الأمساك ويرغمه على ملازمة التواليت مرة اخرى .
كَتَبَ , بنصيحة من صديق , الى صحيفة يوتوبوريز بوستن : اني اتعرض لأرهاب تلفوني . عندما يرن التلفون وارفع السماعة لا احد يتكلم , او اسمع تنهدات ... كيف لي معرفة من يتصل ؟ ردت الصحيفة : راجع مصلحة الاتصالات السلكية واللاسلكية . ولكي تعثر على الشخص الذي يقوم بهذه الاتصالات يجب ان يكون تلفونك موصـولا بمحطة عصرية وان تدفع اجور هذه الخدمة \ 500 كرون الخ ...
انطوى خليلو على نفسه . لا يقابل الاصدقاء ، لا يتنزه في مركز مدينة غوثنبورغ المزدحم بالسابلة والمقاهي والاسواق ... وبعدما ارهقه الرنين المخاتل راجع مهتاجا المساعدة الاجتماعية بيا اولوفسون . لاحظتْ بقلق احتقان وجهه الحنطي : - الستَ بخير ؟ - طبعا لا . قرّبت منه كرسيها . نظرت بعينين زرقاوين في بؤبؤي عينيه الفاحمتين , وسألت : - ما الذي استطيع ان افعل لأجلك ؟ ها ؟ ماذا ؟ اشاح وجهه الى الحائط بنفاد صبر : - لا ادري ... - إخبرني بما يشغل بالك دون حرج . ثق بي . عززت القول بنظرة حنونة . مضى خليلو يسرد الوقائع بعصبية : - كلما ادخل التواليت يرن جرس التلفون .. انا اعاني ... ( ونسي كلمة امساك بالسويدية , فسألها ) ماهو عكس اسهالdiare ؟ - förstoppning - اجل . امسـاك . اعاني من الامسـاك ..توجد ايضا مشــاكل سياسية عويصة ... انهم يتلفنون لي كلما دخلت ...
والتمس في الختام الموافقة على تغطية نفقات نصب تلفون في التواليت . وعدته بطرح الموضوع على رئيسها في اول فرصة : - شرط ان تُحضر تقريرا من الطبيب يؤيد معاناتك من الأسهال . - الأمساك ! صحح خليلو قولها باستنكار . اعتذرت : - اوه , العفو , امساك امساك .. تقرير رسمي يؤكد هذا ليُعرض عند الضرورة ... فالسويد بلد بيروقراطي . اوراق اوراق اوراق . اشترى خليلو ورق تواليت ومرذاذ عطر يذكّره بنسيم الغابات . تناول قدح حليب باردا وتلفن الى الطبيب العجوز , البولوني الأصل , الذي يتحدث على الدوام كمخمور يوشك ان يغفو : - تشيرنوفسكي . - مرحبا دكتور , انا خليلو . رقمي الشخصي 490217 , راجعتك مؤخرا عدة مرات و ... - لحظة . انتظر لحظة . لحظة . تخيله يبحث باستغراق عن ملفه في الكومبيوتر , و سمعه يلوك بلسان ثقيل : - نعم نعم نعم ، كاليولو ، او كي ... ماذا تحتاج ؟ - نصبْ تلفون في التواليت . - ماذا ؟! ما علاقتي بهذا الموضوع ؟ هنا مستشفى ! - عفوا دكتور . دعني اوضح ارجوك . وعدتْ مساعدتي الاجتماعية , انها سيدة طيبة , بيا اولوفسون ... بأنها ستوافق على نصب التلفون لو احضرتُ تقريرا يؤيد معاناتي من الامساك . هذه حالة نفسية كما تعلم ... - لا اعلم اي شئ ولا افهم اي شئ مما تقول . - دعني اذن اصارحك , انني امر بفترة عصيبة نتجت عنها اضطرابات في جهازي الهضمي . اصدروا نشرة تتهمني بالعمالة للنظام الدتاتوري ، وكلما ادخل التواليت يرن التلفون , اما اذا ... - مهلا مهلا . هل لك ان تزورني ؟ فانا لا افهم بحق اي شئ مما تقول .
حصل خليلو على وصفة بدواء مليّن Importal وتقرير يفيد انه ( يعاني من امساك مزمن وهو خاضع للعلاج منذ نيسان الماضي تحت اشراف الدكتور تشيرنوفسكي ) . غير ان بيا اولوفسون اشارت , قبل اعلانها قرار الرئيس , الى عدم الرغبة في التورط بصراعات اللاجئين , واضافت مباشرة : - يمكنكم الاختلاف في الآراء والاجتهادات . هذا طبيعي للغاية . العنف هو المحظور عندنا . بذل خليلو جـهده لاقنـاع بيا ان مضايقة المرء ( في أي مكان ) يعد نوعا من العنف المعنوي . لم يسعف ذلك في نيل الموافقة على مساعدته في تغطية نفقات نصب التلفون : - آسفة . رئيسي يتوقع اعتبار مساعدة كهذي سابقة يستند اليها آخرون . فقد عمم مركز الاحصاء الصحي معلومات تؤكد ان الامساك بات ظاهرة شائعة في اوساط اللاجئين عموما وبخاصة العراقيين او العرب . قاطعها خليلو باهتمام بالغ : - كل العراقيين ام اليساريين منهم فقط ؟ - الطبيب لا يسأل مرضاه عن ميولهم السياسية !
دفعت الحاجة خليلو الى اختراع مخرج بسيط استوحاه من عمل خاله الكهربائي في محلة سوق الشيوخ في بغداد . مد السلك بوصلة طولها خمسة امتار وراح يحمل التلفون الى ابعد ناحية في البيت المؤلف من غرفة وصالون ومطبخ . جلس في اليوم الاول ينتظر على مقعد التواليت والتلفون الوردي بين قدميه . لم يرن . لم يرن بتاتا . رن في اليوم الثالث فجفل . - صباح الخير . المتكلم ( ابو داوود ) مسؤوله الحزبي . كاد يقف لكنه تنبه ... فبقي جالسا . - ما بك ؟ - لا شئ لا شئ . - اخشى ان اكون ايقظتك من النوم ؟ - لا رفيق لا . - الأمر عاجل . - ما الأمر ؟ - لجنة تحقيق حزبية تريد الاجتماع بك . - لماذا رفيق ؟ عفوا . اتقدر ان تتلفن لي بعد ثلث ساعة ؟ استفهم المسؤول بنبرة ذات مغزى : - لست وحدك ؟! سحب خليلو بهدوء شريطا من ورق التواليت وهو يقول بتلعثم : - العفو رفيق . انا وحدي . سأتلفن اليك .. بعد خمس دقائق , دقيقتين دقيقتين . - ما الذي يمنعك من الكلام معي الان ؟ - لا مانع . انني مجرد ... لا استطيع الكلام الآن .. ساتلفن بعد دقيقة دقيقة . قال المسؤول بحزم واصرار : - اريد ان تكلمني الان ( واضاف بتواطؤ ) سأحتفظ بما تقوله سراً بيننا . - انا في الحقيقة ... قال هذه الجملة المبتورة , مسح عرق الجبين بشريط الورق , ومن فرط الحيرة والارتباك جر سلسلة مدلاة الى جانبه , فتناها الى سمع المسؤول صوت هدير الماء . صرخ : - ما هذا ؟ اين انت ؟ من اين تكلمني ؟! اسرع خليلو باغلاق التلفـون وقد احمر حيـاء . في الصباح تسلم دون اعتراض قرار الطرد من الحزب ( لتصرفاته المشبوهة ) ... منذ ذلك الحين لم يعد يرن تلفونه على الاطلاق عندما يدخل التواليت .
***
عووو .. عووو .. عووو ... اطلق من خلال النافذة صرخة وحشية تشبه عواء ذئب جريح . اراد التفريج عن ضيقه فعوى . فكر: لو بمستطاعي ان اكون شجرة في هذه الغابة . اصبح عمري ربع قرن ... عووو عووو ... - من الذي يعوي ؟! فاجأه صوت غاضب . لم يرد . واصل العواء : عووو .. عووو ... - افتح . افتح الباب ! انهالت طرقات متتالية , عنيفة . قال : صارت المسألة جدية . سأعتذر . - انت الذي تعوي ؟ هذا مدير الفندق . تطلع الشاب في عينيه الزرقاوين . انهما مستديرتان كعيني ديك خائف . كاد ان يبتسم لكنه عوى . فعل ذلك عفوا . لم ينجح في قمع الرغبة بالعواء . مضى المدير وزعيقه يضج في الممرات : - سأنادي الشرطة . انت مجنون . سأنادي الشرطة . سأناديهم فورا . هل تعتقد انت وحدك في فندقي ؟ اطرق الشاب : حقا انها ورطة . كيف سأبرر حماقتي ؟ التقط من الارض قنينة نبيذ فارغة . التف حول نفسه مرتين , كرامي القرص , وقذفها عبر النافذة . سمع بعد لحظات تهشم زجاج . اطل من النافذة . لم يلحظ ما هو غير اعتيادي : كل شئ هادئ ومنسجم . راح يتأمل الغابة . كانت مستسلمة الى الثلج المتساقط على هامات اشجارها . بدت في الظلام والبرد موحشة جدا . اغلق النافذة وتهيأ للذهاب الى المرقص . تناهى وقع خطوات ولغط في الممر ( جاؤوا . بدأت المشاكل ) تنهد بضيق واستدرك ( لم ارتكب جرماً . فرَّجت عن حزني لا اكثر . لماذا لا يفهمون ؟ ) وبصعوبة امتنع عن العوي فيما هو يفتح الباب قبل ان يطرقوه . تقدم منه احد الشرطيين بينما تابع مدير الفندق ما يجري بتشف . قال الشرطي : - هويتك ايها السيد . اخرج جواز السفر من الحقيبة . تصفحه الشرطي برصانة , وقال : - تفضل معنا . مشى بين الشرطيين بجدية بالغة , كمجرم محترف . كان يفكر : لا بد ان الشرطيين فخوران . انهما يقومان بالواجب على اكمل وجه . انا اغبطهما . كذلك اغبط مدير الفندق . لكن مازلت بحاجة الى ان اعوي . في مركز الشرطة سأله شرطي نحيف : - لم فعلت ذلك ؟ دهمه نعاس مفاجئ . تمنى لو يُسمح له بالنوم بدلا من الاستجواب . لكن الشرطي كرر سؤاله بحزم . رد برخاوة مريض اجهده الأرق : - لا ادري . لا ادري . قال الشرطي : - انت لست في وطنك . يتعين احترام عادات وقوانين البلد الذي تعيش فيه . انت ازعجت نزلاء الفندق .. هنا ... آداب ... المدير نفسه ...
ما عاد قادرا على مواصلة الاستماع . كان صوت الشرطي يبعث على النعاس لرتابة ايقاعه البطئ . اسند الجبين على حافة الطاولة . كانت آخر كلمة سمعها هي ( النظام ) . اراد ان يقول : انا انسان عادي . حزين . تعبان . احب الناس ... لكنه عوى بخفوت واستغرق في النوم . او ربما فقد الوعي .
***
طلع من خرائب المبغى العتيق , الى ساحة الميدان , شيخ منفوش الشعر , رثيث الملابس , يمشي مترنحا بنعل متهرئ . قعد برهة على حافة الرصيف وقام . اجتاز الشارع مسرعا وتوقف قبالة محطة باص مزدحمة بجمهور احرقته شمس الظهيرة . رمق الوجوه متخصرا وبدأ يخطب كالمعتاد : - السلام عليكم ايها المواطنون ، السلام عليكم يا جبناء يا مارقين ... لم يأبه احد . فسيد نوح معروف : مخبل وسكير , ادمن ابناء المنطقة توبيخاته . الا ان بضعة غرباء , يسمعون الخطاب للمرة الاولى , في هذا الجو الخانق , شعروا بالحرج . نفرٌ منهم اخفى ضيقه بابتسامة , في حين صرخ تلميذ جامعي : - اخطب في بيتكم يا سيادة الرئيس , او في هيئة الامم المتحدة . تجاهله سيد نوح , وتابع الخطاب : - انتبهوا , لا اخفي سرا عليكم . نظريتي الجديدة ( الشعاع المجسم ) تكشف اصل الكون وتسعد البشر . صدقوني . مسح وجهه بردن الثوب المنقع بالعرق ، تفرس في العيون المتلهفة لمجئ الباص , ثم قحقح وأطّر بالكفين فمه , وصاح : - غلط . غللللط . كل شئ غلط . كل النظريات غلط . خدعوكم عملاء جواهر لال نهرو وبيكاسو والصومال . ضحك بعض الجمهور . اردف هو : - خذوا الحكمة مني . انبذوا نظرياتكم العتيقة , الفاشلة , وآمنو بنظرية الشعاع , فهي تشرح كل شئ وتخلصكم من التعاسة والخوف والقلق . صدقوني . - دعها لك .. ولا تخرط اكثر ! علّق التلميذ بعصبية وضحك , فيما تكتل الجمهور ، ما ان رأى الباص مقبلاً , في مواقع يفترض ان تفتح عندها الابواب . احتدم سيد نوح كالعادة وتعالى صياحه : - الى اين ؟ فقط قولوا لي يا جماعة الى اين تروحون ؟ لماذا انتم في عجلة ؟ ما الذي جرى ؟ وقف الباص مزمجرا . تدافع الجمهور للفوز بمقاعد خالية جهة الظل , فتوعدهم وملامح شراسة لا تخيف ارتسمت على محياه : - هكذا اذن ! تتركوني ؟ هيا , روحوا يا قوادين , يا حقراء , اصعدوا الباص كالغنم , اصعدوا الى ذاك الصوب . فلن يتغير من الموضوع شيئا . لا فرق بين هنا وهناك . تبقون جهلة , مهمومين ما لم تسمعوا كلامي ... اصعدوا , اصعدوا يا اولاد القحاب .
***
لا احد يعرف بالضبط من هو هذا الشيخ . من سماه نوحا . كم عمره . وما الذي جاء به الى خرائب حي المبغى المهجور في منطقة الميدان . اشيع انه فقد عقله حالما رأى افراد الأسرة السبعة يدفنون تحت الانقاض في غارة جوية خلال حرب الخليج . قيل انه استاذ مهووس بالفلسفة والفيزياء عُذب كثيرا في السجن بتهمة التجسس لأسرائيل او البانيا . زُعم انه طبيب نفساني تأثر بمرضاه , وانه تاجر مخدرات ضيع ثروة طائلة على سباق الخيل , وانه فنان عاشق , نغل , لوطي ... ومهما يكن سيد نوح , فهو مستمر بدأب , في التربص للمحتشدين بالمحطة , منتهزا تأخر الباصات , لينقض بخطب توبيخية : السلام عليكم ايها المواطنون , السلام عليكم يا جبناء يا مارقين ... فرغ من خطابه ظهر اليوم ومضى الى الخرائب , يتبعه التلميذ , مترددا , ليسأل على انفراد عن نظرية الشعاع .
***
معروف ان السيد الوزير دقيق وجدي . كل شئ عنده محسوب . لا مجال للمصادفات في حياته . معروف ايضا انه يقرأ الجرائد مع فنجان قهوة الصباح . يلقي نظرة خاطفة على عناوين الصفحة الاولى , ويبدأ قراءة الاخبار المحلية , ثم ينتقل الى ركن الوفيات , ويرجع الى الصفحة الاولى . جلس يقرأ الجرائد في مكتبه هذا الصباح وتوقف امام الخبر التالي : ضابط في شرق افريقيا , كان يقود اتباعه للاستيلاء على الاذاعة وتلاوة بيان الانقلاب , زل بقشر موزة فهوى على الارض ومات ... هكذا اُحبط الانقلاب واعدم مدبروه . - قشر موزة ؟! هز الرأس ثم طوى الجريدة وتناول ثانيةً . لكن باله تعلق بالخبر : - موزة ! اعاد فنجان القهوة المرتعش الى الصحن وهو يضحك بخفوت لئلا تسمع السكرتيرة في الغرفة المجاورة . تناول الجريدة الأولى وقرأ الخبر مجددا . اخذ جذعه يرتج من شدة الضحك المكتوم : - قشر موزة ! وضحك طويلا . اصبح يضحك رغم ارادته . لم يعد قادرا على الكف عن الضحك . شعر بالقلق . خشي ان يجهد القلب . استنشق الهواء بتريث عدة مرات , لكنه انفجر في نوبة ضحك وسعال : - يا الهي . ماذا لو يدخل عليّ احد الناس وانا في هذه الحالة ؟ دمعت عيناه . تعرق وجهه المتضرج وسخن ... الا انه بقي يضحك ويضحك ويضحك حتى طُرق الباب . كاد يصيح ( انتظر ) فضحك . مدت السكرتيرة راسها لترى الوزير يترنح من الضحك ويردد : عفوا عفوا عفوا .
***
هذا الحلم يتكرر منذ زمن بعيد . يرى نفسه استيقظ بصعوبة , فرّش الاسنان , مشّط , حلق , وردَّ في اثناء ذلك على التلفونات : هلو , نعم , او كي , تشاو . هلو , لا وقت عندي عصرا , هلو ... وفي الطريق الى منطقة الباص يتحسس الرسغ والجيوب ليتأكد من حمل الساعة والمحفظة . في شوارع مركز المدينة يصادف اصدقاء .. آ .. اين انت .. ماذا تفعل .. كيف المزاج ... ويشتبك في مناقشات سريعة , حادة , هادئة . ويتشاجر في بعض الاحيان , ينجز اعمالا بسيطة , كأن يدفع قسط غرامفون او بدل عضوية الأتحاد , يستلم الملابس النظيفة من المكوي او يسلّمه الوسخة , يشتري جبن كرافت وسمك سردين ... ثم يصعد قطار المترو . يتصفح الجريدة بحثا عن موضوع شيق . يستعرض برامج التلفزيون . يؤشّر بالقلم مواعيد بث مسلسلات يتابعها حين يكون وحده . يختلس نظرة الى الركاب . يركز العينين على فتاة جذابة , وينصرف لمطالعة الجريدة بعد التوثق من انها غير مكترثة . مساءً , يلتقي مع آخرين في حانة , يبيت عند احدهم , او يعود الى المنزل . يفتح زجاجة بيرة اولى , ثانية , ثالثة ... يقلّب احدث وجبة مطبوعات وصلته لينزع عنها ما يستحق المطالعة في الفراش . يتذمر من إرجاء الجواب على خطابات تسلمها قبل سنة . يتحمس للكتابة فوراً : لمن , لمن , لمن ؟ ويتمنى بقوة : لشخص استطيع ان ابوح له كل شئ . يتذكر كم تاق لهذا الشخص غير الموجود فيتراخى . تضعف القدرة على التفكير الواضح المترابط . ولكنه يظل يقاوم ليبقى صاحيا . تتقد في الذهن مخططات لمشاريع متنوعة , متنافرة الأهداف . يدونُ في دفتر بحجم اليد : ماذا يشتري , أي دائرة يراجع , بمن يتصل , من يزور او يدعو ... ويرسم اثناء ذلك اشكالا عشوائية , او يخط كلمات على اوراق كثيرة , يجمعها في الصباح , من على المائدة والارض , يجعلها براحتيه مثل كرة ... والى سلة المهملات . هذا الحلم يتكرر بلا انقطاع منذ زمن بعيد .
***
- راقت لي مواصفاتكِ . لكن دعيني اكن صريحاً من البداية . ربما ستتعبين معي . - لماذا تظن ذلك ؟ - صرت اجد صعوبة بالغة في التعامل مع الراشدين . انهم مفرطو القسوة . - لكنك احدهم . - لا ادري . اظن احيانا انني قادم بالخطأ من خارج هذا الكوكب الارضي ... قطّبت السيدة حاجبيها وهي تبتسم : - غريب . اسمح لي لحظة . ذهبت تعد القهوة في المطبخ . وقفت الطفلة عند شباك الصالون تدق جرسها الزجاجي . سأل : - كم عمرك ؟ - خمس سنين . ردت وعيناها الواسعتان مرفوعتان الى فضاء رمادي . - لمن تدقين الجرس ؟ - للطيور . - هل تحبين القطط ايضا ؟ - نعم . انا احب كل الحشرات . ابتسم واشار اليها ان تدنو : - القطة ليست حشرة . انها حيوان اليف . نظرت في عينيه وقالت : - انا احب الحصان والكلب والسمكة . - والنمل ؟ - ماما حكت لي عنه . هو ... حيوان ذكي . ضحك ولم يصحح ما قالت . آثر متابعة حديثها : - في بيت النمل ملكة وحرس وجنود وخدم ... تقول ماما . - هل يسمعون جرسك ؟ - نعم . مضت الطفلة الى الشباك واستأنفت الدق : - الطيور لا تسمع حينما تكون السماء غائمة . قالت بسخط . سألها : - الا تفر من صوت الجرس ؟ - لا . الجرس يضايق المسنين فقط . الطيور تحب الاجراس . لذلك تعيش في ابراج الكنائس . قالت وهي تدق ريثما رجعت الأم : - كفى . دوختِ السيد . وضعتْ القهوة والسكر امامه : - اهداها الجرس زوجي السابق , ابوها ( واضافت بلطف وقلق ) ذكرتَ في الأعلان انك تحب الاطفال . - بالتأكيد . ارتمت الطفلة في حضن الأم , وسألت : - لماذا لا نستطيع الطيران ؟ - سينبت لك يوما جناحان وتتركيني هنا وحدي . قالت الأم وراحت الى المطبخ تجلب حلوى ساخنة . همس الرجل : - استطيع الطيران عندما تكون السماء صاحية . حالما قال ذلك اختفت الغيوم . التفتت اليه الطفلة بفرح . نهض وتوجه بخطوات قصيرة وسريعة الى النافذة , اعتلى حافتها وقفز . أخذ يرفرف الذراعين ويرتفع يرتفع يرتفع ...
وضعتْ الأم طبق الحلوى على الطاولة وسألت باستغراب : - اين هو ؟ - من ؟ - السيد الذي كان هنا . - طار . - طار ؟ هل جننت ؟ - لم اطلب منه ذلك . هو طار ودخل في الشمس. لكنه سيرجع . وعدني . عادت الطفلة تدق الجرس وعيناها مرفوعتان الى الفضاء .
***
( 7\9\1963 ) نزلتُ الى محطة مترو أكتن تاون لأستقل القطار الى كوينزواي حيث ادرس الانكليزية في معهد خاص . قلت : ساقفز امام اول قطار يمر من هنا . لمحت القطار قادما كوحش ساخط . شجعت نفسي : هيا ، خطوة واحدة . خطوة تنهي كل شئ . هيا , هيا ... وفي اللحظة الاخيرة تريثت : لِمَ الاستعجال ؟ لأنتظر قطارا آخر . هناك قطارات اخرى كثيرة . القطارات كثيرة في لندن . ساقفز امام احدها بعد الرجوع من المعهد . وفي الطريق تساءلت : الا ينبغي ترك رسالة اعتذار او ايضاح الى الاهل والاصدقاء ؟ جهّزت في البيت ورقة وقلما وزجاجة نبيذ : اعزائي . هربت من العراق بعد شهرين من انقلاب 63 الدموي . قتل الأنقلابيون ابي في معسكر الرشيد . اغتصبوا خالتي سليمة في سجن " قصر النهاية " . عذبوا صديقي جهاد حتى الموت , وارغموني على كشف اسماء رفاقي في تنظيم الطلبة . لم اعد راغبا في مواصلة حياة كهذه , مليئة بالغش والقسوة والكره .
( 17\9\1973 ) صار عمري 29 سنة . ما زالت الظروف السياسية تمنعني من الرجوع الى العراق , رغم تشكيل ما يدعى بالجبهة الوطنية . طلقتُ زوجتي سوزان وتنازلت عن ابنتنا مريم . قطعت صلتي التنظيمية بالحزب الشيوعي الذي شوه سمعتي بافتراءات شنيعة . وها انا مشغول كالمعتاد بالانتحار . نزلت اليوم الى محطة اكتن تاون لاستقل قطاري الى حيث اعمل موظفا في مكتبة هامرسميث . جاء القطار . تحفزت للقفز لكنني اقنعت نفسي للمرة الالف بأرجاء ذلك ريثما ياتي قطار آخر وآخر , او ... ريثما انجز كتابة مسرحيتي الاولى التي انتهيت من فصلها الثالث بمشقة في الاسبوع الماضي . قلت : انني اتخذت قراري الاكيد بالانتحار فلم الاستعجال ؟ لألقي نظرة متمهلة على العالم قبل مفارقتي له . الامر بيدي . لا احد يمنعي من الانتحار متى اشاء .
( 17\9\1983 ) عمري 39 سنة ! بلا عمل . اعيش على معونة الدولة . احلم بانجاز مسرحية : الوطن . لم اكتب منها بعد سوى فصول ثلاثة وبضع صفحات . انه الكسل والفتور وعدم الحماس لأي شئ . ذهبت الى هايدبارك للتفرج على الخطباء ورسامي الارصفة وعازفي الغيتار والشاذين جنسيا . روادتني في محطة مترو اكتن تاون الرغبة القديمة : القفز امام اول قطار ... هذه القفزة المؤجلة هي التي ستضع على الفور حدا لمهزلة الحياة . فات قطار كالرعد . فات آخر وآخر وآخر فيما احاول جاهدا اقناع نفسي بالعدول عن الانتحار الان . وفي الحقيقة , اوشكت مرة على القفز الا ان ساقي خذلتاني . حسنا . ساقف اذاً كحصان اجرب وسط سكة الحديد ولن اتزحزح . قلت هذا واضفت بأسف : ما كان عليّ تأجيل قفزة صغيرة كل هذه السنين . لقد لازمتني عادة تأجيل المشاريع . تأجيل الزواج , تأجيل الطلاق , تأجيل السفر , تأجيل انجاز المسرحية , وتأجيل الانتحار ايضا . هيا . اقفز !
(18\9\1993) وأخيرا استجابت سالي لنداءات الحب . اكاد اطير من الفرح . انتظرت هذه اللحظة السعيدة خمس سنين كاملة . التقينا ليلة امس عند صديق مصري مشترك . انفردنا عن بقية الضيوف في ركن الصالة القريب من المطبخ . دخنّا بإفراط , وتألقنا في الكلام عن شؤون ثقافية وانسانية شتى , ثم اتفقنا على تكرار لقائنا مساء غد عندها في البيت . قالت بالحرف الواحد : اسمع فلاح . انني اؤمن بك . ليس الوقت متاخرا للبدء في مشاريعك الكتابية . تذكّر عشرات الذين بدأوا متأخرين ونجحوا . انجز مسرحيتك , وسأقوم بأخراجها مع صديقتي روناك . يا رب ، كل شئ تغير على نحو رائع وفجائي . انني عاشق . وجدت ختاماً ثمة ما يبرر استمراري على قيد الحياة .
( 19\9\ 1993 ) رويترز : دهس قطار رجلا في محطة اكتن تاون غربي العاصمة البريطانية لندن مساء امس ، وذكر شهود عيان ان مراهقا اوربيا حليق الراس دفع الرجل ذي الملامح الشرقية من الخلف فاختل توازنه وسقط تحت عجلات القطار مع باقة زهور اوركيديا .
***
حدثت المعجزة امام عيوني ، الا ان رئيس التحرير لم يصدق . جردني من مسؤولية صفحات العلوم والتكنولوجيا . كنت جالسا في ذلك اليوم القائظ , وسط الصف الاول من قاعة مبنى الجامعة . القى دكتور وليم كاني محاضرة بعنوان ( كيف نطيل العمر ؟ ) بيّن فيها ابرز علامات الشيخوخة : استعداد اكثر للمرض ، تضاؤل وتراخي العضلات ، تغضن البشرة ، تساقط الاسنان ، انحناء الظهر ، وهن السمع والذاكرة الخ . وأكد كاني فعالية الدواء والجراحة والعلاج النفسي والرياضة , وسوى ذلك من الوسائل ، في تأخير الشيخوخة ، وشخّص العلاقة بين نمط الحياة ونوع الغذاء وطول العمر , ضارباً عدة امثلة بسكان الجبال والغابات والشواطئ والصحارى واصحاب المهن المختلفة . استغرقت المحاضرة ساعتين وبضع دقائق , واختتمت بالقول : سيصبح مالوفا في القرن الحادي والعشرين بلوغ الانسان المئة ... - ولماذا ؟ التفتنا نحو السائل : شيخ ملتحي يناهز التسعين , يجلس وسط الصف الاخير . عمامته بيضاء نظيفة وكذلك عباءته . اوضح والنور ينبعث من محياه : - اعذروني . دخلت القاعة خطأ فسمعت كلامكم الشيق . آ , شيق بالفعل . شدت نبرته الانتباه . نظر للحاضرين بارتياح , واستدرك : - ما لا استطيع فهمه هو ان يجهد العلماء الافاضل انفسهم في البحث والتنقيب ليقولوا : كيف يطيل الانسان عمره , لكنهم لا يقولون لماذا يطيل عمره ؟ استدرنا نحو المحاضر الذي نزع نظارته , مسح زجاجها بطرف منديل وابتسم : - للجواب على سؤالك يتعين عليّ دراسة الفلسفة والمنطق . ضجت القاعة بالضحك واللغط . اعقب الشيخ بمرح , كأنه يلقي نكتة : - هناك جيولوجي يعتقد ان الديناصور العظيم انقرض لأصابته بالأمساك , ودليله اختفاء اعشاب ليفية كانت تساعده على الهظم منذ 65 مليون سنة . اذا صح هذا الأعتقاد , نكون عرفنا كيف حافظ الانسان على وجوده واستمراره ! لكن يبقى السؤال : لماذا ؟
قال ذلك الشيخ ونهض , مستعينا بعصاً فضية امتطاها فارتفع مترين وطار من خلال نافذة الى خارج القاعة . ركضت مع الاخرين الى النوافذ , تفرجت عليه الى ان اصبح نقطة توارت في غيمة بيضاء كعباءته . - لعله موسى عليه الصلاة والسلام . - او يسوع . فهو ايضا كان يجترح المعجزات . تحادث بجد طالبان هزيلان يقفان قربي وكل منهما يحجب شعاع الشمس عن عينيه بحزمة اوراق . ركزت بصري على الغيمة التي توارى خلفها وقلت شيئاً عن اسراء النبي محمد , على صهوة البراق , الى المسجد الاقصى في القدس , بصحبة الملاك جبرائيل , ومعراجه الى عرش الرب في طريق عودته الى مكة . قلت شيئا نسيته للطالبين وغبت عن الوعي ... فنقلوني بدون ما ادري الى مستشفى الامراض العقلية . اضجعوني على منضدة رُبطتُ اليها بالقوة وصعقوني بالكهرباء . بلعت حفنة حبوب مهدئة ( 50 ملغ ) في خلال اربعة اسابيع , ثم قابلت , عند الافراج عني , طبيبا اوعز الى زوجتي بالانتظار في الرواق ليسألني : - رأيته مرة اخرى ؟ - من ؟ - الشيخ ؟ خفضت راسي : - لا . - لكنه موجود . ستراه . لا ؟ - لا . انا تعبان .. تخيلت. جاوبته بتلكوء واعتذار , فسأل : - انت مقتنع انه ما موجود ؟ - مقتنع ( كررت مؤكدا بعد لحظة ) مقتنع . صافحني بحرارة وتمنى لي التوفيق بعد ان قال جملة غامضة : - لعلك تحتاج الى رب رحيم .
*
استأنفت عملي كمسؤول عن صفحات العلوم والتكنولوجيا ريثما جاء الى البلاد دكتور فريد مكي . القى في قاعة الجامعة نفسها , عند الصبح , محاضرة عنوانها ( اصل الكون ونشوء الحياة على الارض ) تحدث فيها عن حيرة الانسان بقضايا عويصة : متى وجد الكون , كيف , هل له حدود , الى آخره , وردَّ بالقول : استنادا الى نظرية العالم الروسي الكساندر فريدمان , وجد الكون من العدم في لحظة انفجار هائل حدث قبل 15 بليون سنة . وأعاد مكي الى الاذهان تساؤلات مكررة : هل كان الكون حقاً اصغر من الذرة بلايين المرات ؟ ما الذي احدث الانفجار ؟ ماذا كان قبله ؟ وردّ برضى : للفوز بأجوبة مقنعة تُشغَّل المختبرات دون توقف , تُبنى المراكب وتُبعث الى اعماق الفضاء السحيقة , تُنصب المجسات والمراصد العملاقة في مدارات شتى ... وبفضل هذه الجهود المثيرة والمضنية سنعرف : متى وكيف نشأ الكون وقامت الحياة على الارض . - ولكن لماذا ؟ صوت الشيخ ! التفتُ بفزع . رأيته جالسا في ذات المكان . اوضح والنور يشع من محياه : - اعذروني . حتى لو عرفتم متى وكيف نشأ الكون وقامت الحياة , يبقى السؤال المقلق : لمـاذا نشأ ؟ لماذا قامت الحياة ، لماذا اصبح العدم وجودا ؟ استدرنا نحو المحاضر الذي بدا كلاعب تنس بارع في رد الكرة . اوضح بهدوء : - سؤالك قديم . طرحه سحرة , فلاسفة , انبياء , واجابوا عليه في ازمانهم . احد الذين طرحوه في القرن العشرين صديقي العزيز ستيفين هوكينغ . وانا شخصياً اعتقد ان الأهم هو السعي لتلطيف الحياة ، تلطيف وجودنا او تحسين ظروف الاستمتاع به . وكمن يحاور حفيده الذكي سأل الشيخ بمودة : - كيف تستمتع يا بني بوجود مبهم , تجهل اسبابه وغاياته , وتعجز حتى عن الحفاظ عليه ؟ نحن الموجودون هنا الآن سنموت . كل من في هذه القاعة سيموت , اليس كذلك ؟ رد المحاضر باسماً : - لكنني استمتع ، مثلاً ، بالموسيقى , رغم جهلي اسباب صناعة آلاتها في البدايات ، رغم جهلي اسرار وتفاصيل صناعتها . لا اعرف مثلا ( اراد الشيخ ان يتكلم ، لوَّح المحاضر بيده مستأذناً الاستطراد في الكلام : ) لا اعرف ، مثلاً ، اي شجرة يستخدم خشبها في صنع الكمان ، لا اعرف من اخترع قوس الكمان ، كم غراماً يزن ، اي حصان يصلح شعره لشد القوس ، وهل اصابع البيانو من عاج ، اي الحيوانات تصلح جلودها للطبول والدفوف ، ما نوع المعادن ... قاطعه الشيخ بلين : - مهلاً ، مهلا . لكنك تعرف الغرض من صنع هذي الاشياء ، تعرف انها مصنوعة للأمتاع , وانت قادر على حفظها باجراءات معينة , في حين سيفنى كل من في هذه القاعة حتماً . انت ، انا ، هؤلاء كلهم ... اشار الشيخ بيده الينا . سمعت طنيناً قرب اذني . اكتفيت بنفض الراس ، لم يعلق احد . تشجع الشيخ على متابعة الحديث بنبرة توفيقية في الظاهر : - دعوَتُك لتلطيف الوجود صحيحة , لكنها لا تلغي ذلك السؤال الملح : لماذا الوجود ؟ هنا ستضمحل اهمية : متى وجدنا وكيف نشأ الوجود . السؤال : لماذا نشأ , لماذا وجدنا ؟ هل لذلك ضرورة ؟ بقينا نتلفت الى الشيخ والمحاضر كما يفعل مشاهدوا التنس . اطبق سكون كثيف . تنحنح البعض . اوشكت ان اسأل ما إذا كان الوجود نشأ بالصدفة ؟ فتعسر عليّ النطق . قام الشيخ بتؤدة , امتطى عصاه الفضية , وطار من خلال النافذة الى خارج القاعة . لم ابلغ رئيس التحرير , ولا أي شخص , بما حدث حين افقت من غيبوبتي . خشيت ان اصعق بالكهرباء مرة اخرى , او اطرد من العمل .
***
تحت نخلة عجفاء , في حديقة عامة , جلس على الأرض شاب وسيم . كان نحيلاً , تتدلى من رقبته لوحة كارتون خط عليها بحروف واضحة كبيرة ( أنا حر ) . لم يكترث به احد عدا طفل تلكأ في السير ليتهجى العبارة : - أأناا ... نهرته الأم : - امشِ , ماذا جرى لك ؟ نظرتْ الى حيث كان ينظر قبل ان تتوقف . كذلك توقف مستطرق بدين ردد بسخرية : - حُر ؟ حُر ؟ شجع ذلك ألأم على ان تدنو من الشاب . تزايد المحتشدون . استفسر الطفل : - هذا شحاذ ؟ - لا . - ماذا مكتوب على اللوحة ؟ جاوبته الأم بصوت خفيض : - انا حر . يعني ... هيا لنمشِ . اراد الطفل طرح سؤال , إلا انه رأى سيارة يخرج منها ثلاثة شرطة شقوا طريقهم وسط المحتشدين بعنف : - ما هذا ؟ - مخبول . رد البدين وضحك وحده . علقت ام الطفل : - ربما اخرس . او سكران ... سكران في الصباح ! وبحركات سريعة خشنة جروا الشاب مع لوحة الكارتون , حشروه داخل سيارتهم وانطلقوا . تابع الطفل السيارة بنظرة مندهشة حتى انعطفت في شارع فرعي . سأل امه : - لماذا ؟ - لا ادري . - ماذا فعل ؟ - لا ادري . - الى اين اخذوه ؟
*
وسط حجرة باردة وقف الشاب امام رجل قصير يجلس على مقعد مخصص لمن يجري استجوابه : - أخي , ماذا تعني ب " انا حر " , فهّمنا . ظل الشاب ساهما . جاء من حجرة مجاورة معاون طويل . وقف جنب القصير وابتسم : - اسمع . كلنا احرار مثلك . حتى مؤخرتي هذه حرة . وضحك الاثنان بصخب . تجمدت ملامح القصير فجأة وهو يسأل : - ماذا تعني ب " انا حر " ؟ اعاد المعاون السؤال والتفت الى القصير الذي همَّ بالنهوض : - لا تتعب نفسك سيدي . اراهن انه عضو في منظمة معادية . - يبدو ذلك . التمس المعاون القصير وهو يلتهم الشاب بعينين ملتمعتين : - اتركني معه على انفراد ثلاث دقائق وسترى . ترك القصير الحجرة . سمع من خلف الباب معاونه يوعز : - اخلع سروالك يا حر . وتقدم منه , جرده بسرعة من كل الثياب وابقى لوحة ( انا حر ) معلقة بالرقبة . حدق ملياً في وجهه الوسيم وبرك على الأرض , احاط براحتيه الناعمتين ... المرتخي , دعكه , قبّله , لعقه بلسانه اللزج وهو يلهث من الانفعال والنشوة ... فتح القصير الباب وتنحنح . نهض المعاون وترك الحجرة محتقن الوجه . مضى القصير بخطوات عجلى الى الشاب , احتضنه من الوراء , وضغط ... على المؤخرة . كانت انفاسه الحارة تترى , لافحة كتف الشاب الذي نزع لوحة ( انا حر ) وعلقها بذراع المقعد , ثم جثا على الركبتين , وأخذ يحبو ويمعمع كخروف على وشك الذبح : ماع ماع ماع ...
*
حالما اصبح الطفل بالبيت روى لأبيه ما رآه في المدينة : - سكران اخذوه الشرطة بالسيارة ( والتفت الى الأم ) ماذا كان مكتوب على لوحة الكارتون ؟ - قلت لك الف مرة ( انا حر ) ... ولا تسألني ماذا تعني . لا تشغل بالك في هذه الامور . مازلت صغيرا . طوى الأب صحيفة المساء , وقال : - الحرية تعني ... ( وبعد تفكير طويل استدرك ) عندما تكبر ستفهم معناها . اذهب الآن والعب في الحديقة مع اختك . لم يبرح الطفل مكانه : - قولوا فقط , هل هي كلمة سيئة ام ليست سيئة ؟ - طبعاً ليست سيئة . هيا اذهب الى الحديقة . ابتعد خطوات ، ثم رجع وفي فمه اسئلة آخرى .
***
ســلَّم قيس الباسبورت الى شرطة المطار طالباً اللجوء السياسي . اقتيد الى غرفة حقق فيها معه رجلان بمساعدة مترجم كردي . بعد ساعتين ارسلوه بالسيارة الى معسكر في ضواحي ستوكهولم . تعانق بحرارة مع اصدقاء عراقيين من بغداد , وابلغهم اّخر نبأ : - قررت الحكومة منع اتصال المعارضين في الخارج بأهلهم تلفونياً خشية تسرب المعلومات . سأله احدهم : - الم تتصل بأهلك من طهران ؟ - اتصلت , فهدموا بيتنا . كلما اتصل يهدمون بيتنا . لذلك رجوت عمي التاجر , يقيم في عمّان , ابلاغ الأهل اننا سنتحدث من الآن فصاعدا بالشفرة . اذا قلت " انا زهير " يعني ذلك انا قيس . واذا قلت " انا في بيتي الجديد " يعني ذلك انني وصلت ستوكهولم . اما " البيت العتيق " فيعني طهران . اعجب الجميع بهذا الأجراء الاحترازي , وسمحوا أن يتلفن من عندهم ليزف بشرى سلامة الوصول . ردت امه العجوز : - هلو ؟ تبسَّم وسألها بصوت مرتفع : - كيف الحال ؟ جاوبت باحتراس : - بخير. من يتكلم ؟ قال وهو يغالب الضحك : - زهير . سألت الأم بخوف : - أي زهير ؟! - زهير زهير . تعرفتْ على صوته فصاحت : - ابني قيس ! قطب الجبين ورد بنبرة ذات مغزى ليذكّرها بالاتفاق : - لا . زهير زهير . قالت بتلعثم : - اعرف ابني . افتهمت . سيغمى عليَّ من الفرح . سمعها تنادي الوالد بعجلة ( قيس , قيس على التلفون ) وتستأنف طرح الاسئلة : - من اين تتكلم ؟ - من البيت الجديد . - الحمد لله . متى ؟ - اليوم . قبل ساعات . - واختك ؟ - هناك . - اريد احكي معها . اين هي ؟ - هناك , بالبيت العتيق . - لماذا ؟ - كان يجب ان انتقل وحدي اولاً . بعد فترة صمت قصيرة سألت بشك : - ألم تذكر لنا انكم ستتركون طهران سوية وتسافرون سوية الى السويد ؟ زعق بعصبية : - ليس السويد . انا لست في السويد . واختي ليست في طهران . - لا تخبلني يا قيس . اعوذ بالله من الشيطان الرجيم . انت الاّن قلت انك بالبيت الجديد . - نعم , بالبيت الجديد . بالبيت الجديد . - وماذا قلت انا يا ابني ؟ سكت قيس وهو يتطلع بحيرة في عيون رفاقه المستفهمة ، لا يدري كيف يخرج من الورطة . استفسرت الأم بقلق : - لماذا سكت ؟ - لا شئ . - قل لي بصراحة , ماذا حدث لأختك ؟ - لا شئ . انها بخير . - لماذا بقت في طهران , فهّمني . همس بغيظ : - ليست في طهران . هي بالبيت العتيق , بالبيت العتيق . همست امه ايضاً : - ادري ابني . لم اخرف بعد . اتفقنا ان البيت العتيق يعني طهران , والجديد يعني السويد , اليس كذلك ؟ سمع والده يزجرها : - اسكتي . لا تقولي ايران وسويد ، ولا قيس ! قهقهت الأم باعتذار : - وي نسيت ! العفو ابني قيس ( قهقهت مرة اخرى ) اووي , العفو ابني , العفو. ضحك الأبن وقال باستسلام : - انتِ على حق ماما . انا قيس . والبيت الجديد ( زفر وتساءل ) كيف حالكم ؟
***
سينتظر , مدى الحياة , ذلك الغريب الذي احتال عليه . نسي اين رآه ومتى . ربما في شارع , او ردهة سجن , او محطة قطارات ... قال بعجلة وارتباك , كمن يوْدِع حقيبة : - كُنْ انا ارجوك , سأرجع حالاً . لكنه اختفى بين حشود الناس ولم يرجع . هكذا تورط بمهمة شاقة , غامضة : ان يمارس حياة لا تخصه . وهو يتفرج الآن باندهاش على ما يجري ؛ يُعاقَب على اخطاء لم يرتكبها , يُعشق , يُهان , يُكافأ , يُطارَد ... يجري له كل ذلك نيابة عن شخص لا يعرفه , قال : كن انا , سأرجع حالا ... ولم يرجع .
***
( مهداة الى جواد و ليلى ) ترتفع الستارة . يخرج من الظلام شيخ بيده مصباح . يضئ بقعة في الوسط . يبرز شاب مقرفص كهيكل عظمي . يلتفت الشيخ الى الجمهور : - هذا بقايا انسان . كان مثالا للشجاعة . نفّذ مهمات ثورية مع رفيق اعدم في ظروف ملتبسة . اما هو فقد فر الى خارج الوطن . نجا , لكنه وقع في قبضة الخوف واليأس والأوهام . كل واحد معرض لهذا المصير هناك . انها مسألة وقت وحظ . يلتفت الى الشاب الذي يبدو عليه الوهن , ويرجع الى الجمهور : - استمعوا الى ما يقول . ربما هو يهذي , او ... اسألوه انتم ماذا حدث . ينهض الشاب كالملدوغ فيما يترك الشيخ المنصة : - لا . لا تسألوني ارجوكم . لا تجبروني على الكلام . دعوني هكذا . دعوني احسب قطرات الدماء والدموع والمطر , قطرة قطرة . دعوني احسب - بدقة - حبات رمل الصحارى والشواطئ . انا لا افيد . لا نفع فيّ . انا حطام معركة مات فيها الرابح , والمهزوم بقي . لا تسألوني كيف , ولا تخافوا . انا محض صفر . كسّروا راسي إن فكرتُ ضدكم . لن ابوح بشئ . سأكوي لساني لو نطقت . سأحشو فمي بالتبن واسكت مدى الحياة . أسكتُ كالحمار . غسلتم دماغي بالخوف واشكركم , اشكركم , اشكركم . هل شممتم رائحة الخوف من الموت ؟ اصفها ؟ انها تنبعث من جسدي : باردة , ملساء , صلدة ، شاحبة ... لا تجبروني على الكلام ارجوكم . لا تسألوني . لا توقظوا ذاكرتي المخدرة بالدخان والخمر والموسيقى . انا لغم ساكن , مُهمل , صدئ , لا تهديد فيه ما لم يُمس بأصبع الضمير . عفوا . انا امزح فحسب . لن اعترض طريقكم . دعوني هنا . دعوني مسترخياً في تابوت القناعة . الانسان يولد مرة واحدة . مرة واحدة . واحدة فقط . لماذا يموت الف مرة ؟ لا تجبروني على الكلام ارجوكم . ما اراه لا يعنيني . لا الفقر ولا الغنى . لا الجبن ولا الشجاعة . لا القبح ... دعوني آكل آيس كريم في المقاهي والشوارع واتفرج . لا يهمني إن اشرقت شمسنا ليلاً من الغرب , او غابت فجراً . لا يهمني إن دارت الارض بالعكس , إن عوى الكناري وغرد الجمل . الله قادر على كل شئ . بعونه سأرجع الى رحم امي ، أغلق فرجها واغفو . لا توقظوني . قد ازعجكم بالنواح والمخاط والقئ . قد تفلت الحقيقة كالبصقة من فمي ( يهم بالبصق على الجمهور فيبصق على الارض , ويستدرك : ) عفواً ، لا تصدقوني . لا اتحداكم . انا خرقة . طري كخيط . راكد كمستنقع . لا اهتزاز . لا تشنج , لا انفعال . لا شئ . لا شئ . انا مرتاح . لا ابكي . هذه قطرات ندى . سأمسحها . انظروا . انا حقا لا ابكي . ولماذا ابكي ؟ ها انا اضحك ها ها ها ها ها ها . اترون ؟ اضحك ها ها ها . هذه الدموع تنهمر بفعل الضحك . الا يحصل هذا لكم ؟ يرفع العينين الى السماء ويهمس : - يا رب . قل لهم انت ما قصتي وابعث ملائكة النجدة . انا ارتعد خوفاً .
تهبط الستارة . يصاب الجمهور بالوجوم برهة قبل ان يصفق . ترتفع الستارة . المنصة خالية . التصفيق يتعالى . الممثل يبكي خلف الكواليس وحده .
***
آخر رسالة تلقيتها من ابي تقول : بكيت من الفرح حين علمت انك اكملت دراسة الفلسفة بتفوق . أُقدّر لهفتك الينا والى الوطن , لكنني خائف عليك من الرجوع . جِدْ لك مكانا آمن الى ان يفرجها الله . دخلتُ محطة قطار براغ الرئيسية مساءً . اودعت حقيبتي في محل حفظ الأمتعة وتوجهت الى المطعم . كنت بحاجة الى شراب يرخي توتري . انتقيت مائدة خالية جنب الحائط . لوحت بيدي للنادل فجاء مسرعاً . طلبت قدح كونياك قرغيزي مع صودا باردة , وانغمرت في كتابة رسالة الى ابي : وقد امنح حق اللجوء السياسي في النمسا ... - ما الذي تكتب ؟ رفعت رأسي . عجوز سكران , لا ادري متى جلس قبالتي . قررت تجاهله . ابتسم بلطف : - العفو . ارجو ان لا اكون متطفلاً . اثارت فضولي شخابيطك على الورقة . لويت عنقي دون تعليق وتظاهرت باستئناف الكتابة . سأل : - حضرتك عربي ؟ تطلعت فيه بحنق وكذبت : - لا . - ايطالي ؟ - لا . - ولكنك اجنبي . اومأت بالايجاب . تفحصني بابتسامة غضّنت وجهه الملئ بالتجاعيد , وسأل : - من اين ؟ قلت بسري ( افضل طريقة لقطع الحوار معه هو اختراع اسم دولة وهمية ) : - برياني . استوحيت الأسم من اكلة عراقية كيلا انساه لو سألني عنه ثانية بعد حين . وفعلا , رجاني ان اكتب اسم هذه الدولة ( بلادي ! ) على علبة سجائره . كتبت ( BRYANY ) ودفعت العلبة اليه . اخرج هو في هذه الأثناء نظارة من جيب السترة , ثبتها بعناية على انف ضخم وقرأ بصوت مسموع ( ب ر ي ا ن ي ) واضاف كمن تذكر معلومة مألوفة لديه ( آ , اجل برياني ! ) وأعاد النظارة بهدوء الى الجيب , وقال : - لكم انا ابله يا ربي . كيف لم اعرف منذ الوهلة الاولى برياني . زارها جوزيف مرتين . ودخل من ( برياني ) الى ما يتوق للتحدث عنه : - جوزيف صديقي . احسن اصدقائي بالاحرى . يكبرني عشرين سنة . قد يبدو حتى الان اصغر مني . انا عمري 79 , لكنني مازلت متفائلا , احب الاختلاط , اثق بالناس . ربما لأنني قروي . من نفس قرية جوزيف ... من ناتوليتسه . مات فيها ابي قبل ستين سنة . وماتت امي في الشهر التالي . انتقلتُ الى براغ وبرنو ومدن اخرى لدراسة الطيران العسكري . تزوجت بعد فترة وجيزة من يارميلا . عزيزتي يارميلا , انجبت لي ولدين وبنتا . منذ ذلك الوقت لم ار جوزيف . غير اني بدأت اراه في منامي يقول برقة : مارتين , حزنت لموت زوجتك الغالية يارميلا ... دع دار العجزة وتعال . ستسكن معي . نتقاسم رغيف الخبز وقدح النبيذ , ونستعيد امجادنا الخوالي . وها انا ذاهب اليه اخيرا . هربت اليوم من الدار . اولادي الأوغاد يظنون انني مخرف . سأريهم ما بوسع طيار خرف ان يفعل . سأرجع الى مسقط رأسي , سأعيش معززاً بين اصدقاء الطفولة والمعارف . أي لقاء مدهش سيكون بيني وبين جوزيف . اعرف انه سيأخذني كالعادة لصيد السمك , وللسبح عراة في البحيرة , ولجمع الفطر من الغابات . جوزيف مهووس بجمع الفطر . مهووس بجمع النساء ايضا ! . جوزيف ، حينما يرى فتاة حلوة يردد بأسى ( لماذا يشيخ الجسد , والروح فتية ماتزال ؟ ) هه , سيطير فرحاً عندما انبع له كالجن بعد ستين سنة . لا احد يحبني ويفهمني مثله . لا احد يغفر لي اخطائي مثله . ولا احد يحتملني مثله ... آخ جوزيف جوزيف جوزيف .
شربتُ ثالث قدح كونياك وطلبت الرابع . انتهى هو من شرب قدح بيرته وتوقف عن الكلام . هل اسأله مزيدا من التفاصيل عن الطفولة والقرية وجوزيف ؟ سيسره التحدث عن ذلك الماضي البعيد . وقبل ان اطرح سؤالي نظر الى ساعة يده , وقال : - حان موعد القطار . دفع الحساب ونهض مستعينا بالمائدة . صافحني وقبّل رأسي . تابعته وهو يغادر المطعم بخطوات قصيرة مترنحة . فكرت : ماذا سيفعل إن لم يجد جوزيف على قيد الحياة ؟ وستكون محنته اسوأ لو استقبله بفتور ... سيموت المسكين كمدا . بلعت كاس الكونياك دفعة واحدة وقلت لنفسي : نحن كذلك مساكين . السكارى والاتقياء مساكين . هذي السيدة التي تتثائب مسكينة . ذاك الرجل الذي يتمخط مسكين . انا مسكين ... كل واحد منا يُخلق في لحظة متعة , ثم يشقى طول حياته بحثا عن خبز ومأوى وحنان وعدالة مفقودة ... - انتباه انتباه ! صحّاني المذيع يعلن قرب موعد انطلاق قطاري . قلت للنادل وانا ادفع الحساب : - لا عدالة الا في مملكة برياني . اسقطَ نظرة ذات مغزى على قدح الكونياك الفارغ , وسألني بهزل : - حقا ؟ ومن اين السيد ؟ تذكرت العجوز وابتسمت : - من بغداد . كدت اضيف : لا استطيع الرجوع الى بغداد , فارتعشت في عيني دمعة منعتني من الكلام . وفي الطريق الى رصيف رقم واحد , ولدت في ذهني عبارة قررت جعلها خاتمة لرسالتي الى ابي . وضعت الحقيبة على الارض , اخرجت من جيب سروالي دفتر ملاحظات صغيرا وكتبت : ذرفت دمعة , خلتها ستغرق الكون , لكنها بللت خدي فقط .
ارتج القطار مرتين , ثم صفر ، وتحرك : تشوك ..... تشوك .... تشوك ... تشوك .. تشوك ، طووووووط طووووووط طووووووط .
نعست ، كما لو انني في احضان مهد تهزه امي بايقاع رتيب . صحتُ في الخيال ( جاسم , حماده , سليمان . تعالوا نلعب قطار ) ... اصطف الجميع خلفي , كل واحد منهم يمسك الثاني من ظهر دشداشته , مقلدين القطار : طوووووط تشوك تشوك تشوك ... - باسبورت . فتحت عيوني . اخرجت بتثاقل من جيب السترة الباسبورت وناولته الى شرطي كان يقف عند باب الحجرة . تصفح اوراقه وسأل : - الى اين ؟ - فيينا . ختم الباسبورت واعاده لي . اغمضت عيوني ثانية , وفكرت : سأكتب لأبي انني الان مثل قطار بعربة واحدة , تُسيّره المصادفات على سكك متشابكة , معقدة , لا يمكن الحياد عنها , لا تنتهي بمحطة اخيرة ...
اخذ قطاري يجتاز بغداد على مهل . هتفت بدهشة وفرح وقلق ( هذي بغداد ! ) ثم لمحت ابي على الرصيف يهمس للعجوز الذي قابلته في مطعم محطة براغ ( وَلَدُنا في هذا القطار ) . اسدلت ستارة النافذة بسرعة وحاولت النوم . ايقظني صرير العجلات مختلطا بصوت ينادي " هيا مارسيل , هذه فيينا " . شعرت بالراحة والحزن معا . كنت احلم . لكنني تساءلت وانا ادفع بالساق حقيبتي في ممر مكتظ بالمسافرين : اهربُ من واقع اليقظة ام من رؤى المنام ؟ لا منطق في الأثنين . وانا في حال هروب دائم منهما , او من احدهما الى الاخر بالتعاقب ... سأكتب هذا ايضا الى ابي ... - كل الفلاسفة يكلمون انفسهم هكذا ؟! التفتُ . آ , انه يوسف , فلسطيني كان يدرس معي في براغ .
***
جال بصره في ارجاء الغرفة بانتباه . هو يعرف جيدا ان ما يبحث عنه غير موجود هنا . غير موجود على الاطلاق . بل لعله لم يوجد ... او انه لم يكن يبحث في الواقع عن أي شئ ؟ اغمض عينا وأخذ يصف ما يراه بالاخرى : - هذا مشط اسود , بعض اسنانه مثلومة . هذه علبة بسكويت . هناك جريدة ، دمية بحجم رضيع , كتاب سياسي ممزق الغلاف , وآخ آخ آخ . فتح عينيه . كاد يجهش بالبكاء . قال بلوعة وعدة مرات ( آخ ) ثم تساءل : - عن أي شئ كنت ابحث ؟ جفف عرق الجبين بكم الثوب , وصاح بأعلى صوت : - يا الهي , لماذا تعذبني هكذا ؟ هل انا لقلق ام حمار وحشي ؟ ضحك . فلتت العبارة الاخيرة عفوا فضحك . مضى الى الحمام ليرش وجهه بالماء البارد : - هيا , انظر باشمئزاز الى وجهك المتورم في المرآة . تظاهر بأنه يبكي . اراد ان يرى كيف يبدو : - لكم انا قبيح . تمخط بورق التواليت : - كم واحدا بمثل هذي الحالة ؟ طز على الجميع . الارض ستستمر في الدوران بدونكم ... وقد تكون هذه هي المشكلة بالذات يا عظماء ! جلس على المقعد . لم يخلع بنطاله . اشعل سيجارة من جهة الفلتر خطأً واطفأها في المنفضة . تعمد اشعال اخرى من جهة الفلتر واطفأها في بطن الكف . انتشرت في الجو رائحة كريهة . رائحة لحم يحترق . قال باستهزاء : - اذن فأنا موجود ! حك بعود الثقاب انفه : - انا خروف برجوازي مشوي . تأمل اثر الحرق . احس بتعب مفاجئ : - لماذا تفعل كل هذا بنفسك يا ولدي ؟ نهض بصعوبة : - قم , لنذهب الى الصالون وقل لي ماذا تحتاج . لنتفاهم . ألم اوفر لك ما تتمناه ؟ ماذا تريد مني بعد ؟ قل فقط . ماذا ؟ ماذا تريد ؟
***
شتاء بارد . هما عراة وسكارى , على سرير ضيق , داخل غرفة جيدة التدفئة في بيت الطلبة \ فيترنيك . - بماذا تفكر ؟ يتوقع هذا السؤال التقليدي من كل فتاة جديدة ما ان يسود الصمت بينهما لحظات . قال : - بأمي . - ما بها ؟ مريضة ؟ سألته بتعاطف . فكر طويلا قبل ان يجيب : - اتمنى لو ارجع الى بطنها . رفعت الراس من الوسادة , تفحصت وجهه باستغراب , وعادت الى وضعها الاول لتعلق بلهجة مشاكسة : - ارجع . ما الذي يمنعك . الحجم ؟ - ولكني حقا اريد ان ارجع . لماذا اخرج ؟ بأسى قال ذلك . علقت هي بتندر لا يستفز : - كيف ستتسع امك المسكينة لطفل اصبح بحجم البعير ؟ اين هي الان ؟ معك في براغ ؟ تذكر امه وابتسم : - اوووه . بعيدة . في بغداد . بعيدة جدا . صارت عجوزاً . كانت حلوة في شبابها . حلوة مثلك . كم عمر الآنسة ؟ - 25 سنة . سأصبح 25 سنة بعد شهر واربعة ايام ... والسيد ؟ - اكبرك بسنتين . ادرس صحافة . واحبك . - بهذه السرعة ؟ - نحن متقاربان في السن والاختصاص والعواطف . - هراء . انا لا احبك . ابدو اكبر من سني . ولست اكثر من بائعة صحف وكتب . - لايهم . النتيجة واحدة . ايصال المعرفة والمعلومات والعواطف للاخرين . اليس كذلك ؟ اشعلت سيجارتها من لهيب الشمعة , وقالت : - علي . اسمك علي ؟ - علي . يعجبني اسمك . انت شيوعي يا علي ؟ - اسوأ . ضحكت وسألته : - هل سيسمح لك الحزب بالعودة الى بطن امك ؟ سره السؤال . رد باسما : - قلت لك في المرقص انني شيوعي سئ ومشاغب . لذا اعتقد ان الحزب سيفرح لو عدت . لعله يساعدني لأفعل ذلك . اضحكها الجواب . فكر : سأحدِّث مسؤولي غدا بحواري الطريف مع ههذه البنت . سيضحك هو ايضا على الجواب ... ام انه سيوبخني ؟ - سؤال اخير . - اسمعي ... اكتشف انه يجهل اسمها . ربما نسيه . قالت بلا احتجاج وهي تطفئ سيجارتها في صحن فنجان القهوة : - فيرونيكا . - اسمعي فيرونيكا . فيرونيكا . اسمك صعب . - بل انت سكران . نبيذ المرقص اضعف ذاكرتك . - افرطنا في الشرب . - ماذا كنت تريد ان تقول ؟ - اقول ؟ ها , حقا , اريد ان لا تسأليني بماذا افكر . - كما تشاء . - يزعجني هذا السؤال كثيرا ( واضاف بالعربية ) يا الهي ارجوك ان ترجعني الى بطن امي ناجية بنت الشيخ شكر الله . - باتولومي جي شولالا . قلدت باستنكار نبرة كلامه . ضحكا سوية وتعانقا بعنف وحرارة . تعهد بأن لا يتكلم العربية مرة اخرى . قال : - كان هذا شخصا آخر يتكلم . يلح بالرجوع الى بطن امه . حضرتي اشخاص عدة مختلفين فيما بينهم حول لا شئ . - يحق لي طبعا ان اعرف مع من انا ايها الثوري الشيزوفريني ؟ - معي . مع احسنهم ( واستدرك بموضوعية كدرته ) او ربما العكس . لا ادري . - من يدري اذن ؟ - تجاهلي الجميع ونامي . هيا . نعستِ . يستحسن ان تنامي . لنرجئ ثرثرتنا الى غد . دعيني انام . نامي انت ايضا . تعبنا. عيونك اصبحت صغيرة وحمراء كالنبيذ . اغمضت عينيها , وقالت : - متى غادرنا المرقص ؟ - قبل ثلاث او اربع ساعات . ولا تسأليني ثانية بماذا افكر ارجوك . - لا . - تصبحين على خير . - احلام سعيدة . سمعها تتثائب وتناديه بصوت خفيض : - علي . - ماذا ؟ - كيف سيتبدل الواقع الى الأحسن لو فر الجميع الى بطون أمهاتهم ؟ باغته السؤال الجدي . تحفز للرد , لكنها غفت بسرعة على ساعده . ربما تأخر هو كثيرا في تهيئة الرد . سحب ساعده من تحت راسها باحتراس ، طبع قبلة على عنقها الدافئ ، وهو يهمس : - نامي . اطفأ الشمعة بنفخة ونام . رأى حلما ايقظه بعد قليل . رأى شخصا مألوف الملامح يغرس نصل خنجر في بطن امه وهي مستسلمة , لا تقاوم .
***
صفعتني اليد اليمنى . كنت اطالع جريدة المساء حين صفعتني . لم اكن اتوقع ذلك . جفلتُ وكاد قلبي يتوقف . طبيبي قال بعدئذ : - اليد , كأي عضو آخر في الجسم , تتلقى الايعازات من الدماغ , فهو الذي يوعز لها بالانقباض والانبساط والصفع ايضا . الا انني , او دماغي بالاحرى , لم يوعز لها بصفعي . كيف فعلت ذلك اذن ؟ هل هي تتمرد مثلما يتمرد خادم على سيده ؟ بسطتها على مهل وقبضتها عدة مرات . بدت كأخطبوط صغير . احضرت مسطرة وقست ابعادها : من الرسغ الى نهاية البنصر 17 سم . طول الابهام 6 سم . الخنصر 4 سم . عرض الكف 7 سم . تأملت الراحة فوجدت فيها عدة خطوط , ثلاثة منها رئيسية واضحة , ويبدأ احدها من الشمال صاعداً باتجاه اليمين ...
فيما كنت مستغرقا في تأمل الخطوط اخذت اليد ترتفع مقتربة من وجهي . خمنتُ انني قد اتلقى صفعة . اوعزت اليها ان تنقبض وترتاح على حافة المائدة . امتثلتْ للايعاز . لكنها تململت بعد قليل . تحركت باتجاه وجهي . تابعتها بارتياب حتى استقرت فوق الخد الأيمن . داعَبَتْه بخشونة ، قرصتْ الشفتين ، جرّت الأذن ، نتفت الحاجب ... اوعزت اليها بالابتعاد فورا عن الوجه فصفعتني بقوة . انتفضتُ وامسكتها باليد اليسرى . افلحتْ في التملص والوقوف على اطراف رؤوس الأصابع فوق المائدة . اخذت تنقر سطحها بعصبية . ولئلا تعاود صفعي اوثقتها بحزام البنطال الى ساق المائدة , وتلفنت باليد اليسرى الى الطبيب : - ارجوك احضر حالا . سترتكب يدي حماقة . قد تخنقني او تطعنني بسكين او تفقأ عيني . فقدتُ السيطرة عليها . انني وحيد في البيت . الزوجة في العمل والابناء في المدارس . ارجوك احضر حالا . اخشى ان تتواطأ يدي اليسرى وتحل الحزام . هرع الطبيب على رأس فريق من ممرضين اشداء , كسروا باب البيت بعدما يئسوا من فتحه . اندفعوا الى الداخل فوجدوني اعض اليد اليسرى المدماة لمنعها من تحرير اليد اليمنى . وبمشقة قيدوا اليدين قبل ان تفتكا بي . بعد علاج طويل ومركز في مستشفى الامراض العصبية \ زرق ابر , بلع اقراص , صعقات كهربائية , شفيت تماما . صارت يداي تطاوعاني كالسابق وتلبيان ايعازاتي دون ابطاء . وها انني عدت مجددا لمزاولة تدوين مذكراتي باليد نفسها , محاولاً وصف تلك التجربة المرة , الغريبة : لعل اليد اهم عضو بعد الدماغ . او كما قال دارون في معرض حديثه عن تطور القرد الى انسان , او او او كما قال انجلس ... ستوب . انهض . اريد سكين المطبخ !
***
خرجتُ من السوبرماركت مع أكياس مشترياتي لمناسبة الأحتفال بالعام الجديد . تصدت لي فتاة تمسك بيدها دفترا , سألتني بحيوية : - هل تدخن ؟ ادركتُ ان الموضوع يتعلق بأستقصاء , قلت : - احياناً . سرها جوابي : - عظيم .. كم عمرك ؟ - 50 سنة . ارتسمت خيبة على محياها : - آسفة .. انك اكبر قليلا من المطلوب . شعرتُ بالأحباط فاستدركت مساوما : - واذا 49 ؟ - لا , هذا ايضا كثير .
وتركتني مسرعة الى شاب خرج للتو من السوبرماركت . في الطريق فكرت بفرح مصدّع : لا شك انني ابدو اصغر من عمري . كان يجب ان اسألها عن اعمار الذين يشملهم الأستقصاء . ليس العشرينات بالتأكيد , ولا الثلاثينات . كان يجب ان اسألها . لكنني سأبلغ زوجتي والمعارف انه كان يشمل من هم دون الأربعين ... اي انها اخطأت بعشــر ســنين على الأقل ! وضعتُ أكياس مشترياتي فوق مائدة المطبخ وهرعت الى مرآة الحمام متفحصا وجهي . رأيت ملامح الشيخوخة واضحة . تمتمتُ بيأس : لا أدري . ورجعت متجهما الى المطبخ لأفرغ محتويات الأكياس في الثلاجة . لم اعد ارغب , منذ سنتين , في التطلع الى وجهي . بدأتُ اتحاشى التطلع اليه في اثناء التمشيط او الحلاقة . صرت أزوغ عن تجاعيد الجبهة وترهل الجفنين واحمرار الأنف . اشعلتُ سيجارة وأنا واقف عند الشباك متأملا اطفال الحارة يلهون بالتزلج على جليد الرابية : تُرى ماذا كنت سأفعل لو افقت من النوم قبل عشرين سنة ورأيت وجهي في المرآة كما يبدو الآن ؟ لا شك انني كنت سأصاب بالفزع وأنكره ... لكن مهلا مهلا . كيف سيبدو بعد عشرين سنة ؟ سحقتُ السيجارة في المنفظة واشعلت اخرى : - اسمعْ . ليس مهماً كم عمرك , بل ماذا انجزت ؟ قلت بغضب وتوجهت الى المائدة : - تعال اجلس هنا امامي لنتحاسب !
***
كان ياما كان في قديم العصر وسالف الزمان , كان شيخ بهي الطلعة يجلس مع ابنائه الثلاثة حول موقد في ليلة شتاء قارس . سأله اكبرهم سناً عن اسباب السعادة ومغزى الوجود وجدواه , فأطرق رأسه ، وقال : كان ياما كان في قديم العصر وسالف الزمان , كان شيخ بهي الطلعة يجلس مع ابنائه الثلاثة حول موقد في ليلة شتاء قارس . سأله اكبرهم سناً عن اسباب السعادة ومغزى الوجود وجدواه , فأطرق رأسه ، وقال ...
***
اشتريت من شحاذ عجوز في بغداد ( تحقيق الأحلام ) لمؤلف مجهول من القرن الرابع الهجري \ العاشر ميلادي . لم اقرأ الكتاب . قرأت قصاصة ورق صفراء مدسوسة بين الصفحات الخمسين ، كان نصها مدون بحبر ارجواني فاتح , وبخط يد ردئ : بسم الله الرحمن الرحيم هو الحي الخلاق وبعد , السعادة تكمن في الغاء الحواجز بين الصحو والحلم . الاثنان فَلْقتا واقع مشترك خارج الأرادة . لا صحو وحده ولا حلم . يتداخل بينهما ما يحدث في الأثنين . لا نميز نحن - ولا ينبغي - ما يحدث في الصحو عما يحدث في الحلم . هذا الواقع المعاش , الهجين - بحلوه ومره - هو حصيلة تزاوج الصحو والحلم , مع بعض الجنون الرشيد . عرضتُ القصاصة في حينها على زميلي استاذ لقمان , المختص بالتراث والفكر الاسلاميين في جامعة المستنصرية . رجّح ان تكون لأبن عربي او منصور الحلاج . استبعدت انا ذلك . تبدو صياغة النص معاصرة , بلا سجع او اطناب او مواعظ . ابلغت لقمان رأيي , فقال : - اختلاط ما نراه في الصحو بما نراه في الحلم ناتج عن قسوة ... ولم يكمل الجملة كالعادة . سكتَ لحظتين , واستدرك : - او هو الذي يجعلنا قادرين على تَجَشُّم ... ولم يكمل . سكت مرة اخرى ليستفسر فوراً : - اتعاني من قسوة الحياة ؟ - انا ؟ لا ( قلت ) لا , لا ادري ( وسألت باستغراب ) ما علاقة ذلك بالقصاصة ؟ تنحنح وجاوبني : - ما حدث مثل ما لم يحدث . انهما سواء . كالماضي والحلم وكذلك ... مع ان هذا موضوع آخر إلا ان ... ولم يكمل . لقمان على حق . تذكرت سفراتي المثيرة الى سمرقند , بكين , موسكو , اثينا , استنبول , قاهرة , مراكش , حجاز , صنعاء , قدس ... وفي كل مرة اعود مردداً : " ها انت وحدك مرة اخرى وكأنك لم تسافر "*.
تذكرت قصة حبي الصاخب لسهى ايام الدراسة في براغ . قصة حدثت فعلاً . ومع ذلك يمكن التساؤل : ما الفرق الآن بينها وبين قصص حب لم تحدث ؛ يخترعها خيالي ؟ - خذ . اعاد لي الزميل لقمان قصاصة الورق ونصح أن احتفظ بها في مكان أمين . ثم تطلع الى ساعة يده وهمس باعتذار : - عفواً , طلبتي ينتظرون . الى اللقاء . بعد تقاعده زارني لقمان . لم يتذكر أي كلمة من حوارنا . فتشتُ في كل انحاء بيتي عن ( تحقيق الأحلام ) فلم اجده . ولم اجد بالطبع قصاصة الورق التي تركتها بين الصفحات الخمسين . لكن ما حيرني هو اختفاء اسم أستاذ لقمان من سجل الجامعة . حين سألت مدير الأدارة لماذا , جاوبني مازحاً : - أوه , لقمان الحكيم . مات منذ آلاف ... ولم يكمل الجملة . ترك الموضوع دون ايضاح جدي .
* بيت من قصيدة للشاعر سعدي يوسف .
***
فشل حليم في ايجاد خاتمة لقصته الجديدة . تغدى في المطبخ سمكاً بدون شهية . لبس المعطف وخرج . اخذ يدخن ويتمشى في الطرقات . وصل بيت اخته . كان وعد طفلها علي برسم خارطة العراق . قلّب تحت الضوء دفتر جغرافيا رث الحواشي . قرأ في هامشِ احدى الصفحات عبارةً بخط ركيك : ( الحياة انتظار طويل الى شئ لن يحدث ابداً ) . فتح الدفتر على الطاولة وعيّن بالأصبع : - من كتب هذي العبارة ؟ احنى علي رأسه فوق الدفتر برهة ، وأجاب : - انا . ضحك حليم وجرّه من الشعر ملاطفاً : - اقصد لمن هذي العبارة ؟ - لي . - انت كتبتها ؟! - نعم . ولأزالة سوء الفهم جلس في جواره وصاغ السؤال على نحو اوضح : - ألم تنقلها عن كتاب ... مجلة , صحيفة ؟ - لأ . - تعني ... خطرت في بالك .. وكتبتها ؟ - نعم . - طيب , وماذا تقصد ، ما معنى العبارة ؟ غاصت رقبة علي النحيلة بين كتفيه وابتسم بحياء : - هكذا , لا ادري . دوّن حليم نص العبارة في مفكرة . اوشك فيما بعد , مرات عديدة , على نسبها لنفسه ( مادام صاحبها طفلا في العاشرة ! ) ... ولكنه خاف ( لا بد ان يكون صاحب عبارة كهذي شاعرا او كاتبا معروفا . لعله شكسبير , بكيت , رامبو , او دوستويوفسكي ) لذلك آثر ادراجها في ختام القصة محصورة بين قوسين مع ملاحظة الى ان المصدر مجهول .
*
رجع بُعيد الفجر مخمورا الى البيت . عنَّ له ان يُنقح ختام القصة الذي يصف صديقين في بار , يقول احدهما , وهو تشكيلي يتسكع بين القارات : - بدون حب جارف تبدو الحياة هي نفسها في كل مكان . لا فرق بين هنا وهناك . الحياة فظة , مملة , بلا مبرر , وآخرتها شيخوخة مقرفة وامراض وموت ( الحياة , في الواقع , انتظار طويل الى شئ لن يحدث ابدا ) . قرأ بتركيز ما كتب . تنبه الى ان ( في الواقع ) لم ترد في نص العبارة الأصلي ( لا يجوز اذن حصرها هي كذلك بين القوسين ) ... شَطَبَها امانةً قبل الاهتداء , في لحظة الهام نادرة , الى حل ظنه اكثر ابداعاً : - بدون حب جارف , تبدو الحياة هي نفسها في كل مكان , لا فرق بين هنا وهناك . الحياة فظة , مملة , بلا مبرر , وهي على اية حال انتظار عبثي لنقيض محتوم هو الموت . وفي التو خامره شك : ما الذي تبدل ؟ انتظار ما لن يحدث اصبح انتظار ما سيحدث حتماً . هذا غش . سرقة افكار بطريقة ملتوية ( واستدرك ) ام انه استيحاء مشروع ؟! تثائب وزفر بحيرة : اووف , كم هي شاقة الكتابة ( واضاف متعجباً ) فوق ذلك لا ادري لماذا اكتب ( جعّد الورقة ورماها الى المزبلة ) الكتابة كالحب , لا يثنيك عذابه الممض عن التشبث به . وتحت وطأة الاحباط والنعاس عزم ان يغفل هذه القصة , فشعر بالراحة . ولئلا يأسف وبخ نفسه معزياً : - تعـدى عمـرك الأربعيـن وانت تنتظـر ما لن يحدث . وسيتعدى التسعين وانت تنتظر ما لن يحدث . لا فائدة ترتجى من الانتظار . العالم منحط وعنيف . عليك رصد ما يحدث والتدخل فيه بشجاعة . صفّق باستهزاء : - تصلح خطيباً في جامع او واعظاً في كنيسة . جعّد بقية الاوراق ورماها الى المزبلة , واحدة بعد الاخرى . نهض بترنح من خلف الطاولة . اغلق النافذة . نزع الحذاء بصعوبة , وتكوم على السرير مغمض العينين : - لكن الحياة لا تطاق ما لم ننتظر ذلك الشئ الذي لن يحدث ابدا . غفا وعلى ثغره ابتسامة رضى .
***
( أستطيع أن أكتب )
أستطيع أن أكتب أشد الأبيات حزناً هذه الليلة
.
بابلو نيرودا
***
لا احد يعرف ان ليلى كانت حبيبتي وتحولت الى ضوء . رأيتها في ذلك اليوم تشعل خمس شمعات مثبتة على سطح صحن ابيض وتسدد لي نظرة ثاقبة : - قبّلني . اطفأتْ عود الثقاب . أخذتْ بالأصبع عسلا من زجاجة على الطاولة ولطخت به الشفتين : - هيا قبّلني . مصّت الأصبع وجرتني من الشعر : - قبّلني . خمسة اعوام مرت على الحب . تساءلتُ وانا الطع العسل من شفتيها : أما كان بمقدور صدفة خرقاء ان تحبط هذا الحب او تكسر سلسلة الوجود اصلاً ؟ بدأ الحب قبل زمن اكتشافنا له . اتذكرُ الاضطراب الذي اعتراني . كنت اتلمس بأول رسالةٍ طريقي الوعرة الى قلبها : - ليلى ... لم اجرأ على كتابة " حبيبتي " . وفي الختام كشفتُ ورقة الاعتراف : دثريني بحنانك . انني ارتعد حبا ! عندئذ تحرك الزمن الراكد مسجلاً خفقات اطول قصة حب : خمس دقائق مرت . خمس ساعات . خمسة ايام . خمسة اسابيع . خمسة اشهر . خمسة اعوام ... وتوغل في اعماق الماضي : خمسة آلاف . خمسة ملايين . خمسة عشر بليون . آنذاك , وقع انفجار هائل نشأ عنه الكون : المجرات . الكواكب . والارض التي ظهر عليها اجدادنا وتناسلوا الى ان ولد ابوها وابي , امها وامي , ثم انا وهي ... وها نحن معا على سرير في غرفة صغيرة ارحب من كل الفضاء . - التمهيد الى حبنا استغرق 15 بليون عام . زاد محياها فتنة وهي تفكر بما قلت . تُرى كيف ستبدو ليلى إن طال انفها او عرض او ضاقت عيونها واتسع الجبين ؟ هل كنت سأحبها ؟ لا ادري . ربما . لكنني سأظل احبها بالتاكيد لو اصبحت كذلك الان . - احبك . - احبك كثيرا كثيرا كثيرا . كلما امعنتُ النظر فيها تحيرني معجزة الخلق . من الذي اوعز بالكف عن النمو , في اللحظة المناسبة , الى هذا الخد , هذا الفم , هذا اللسان ... وادخلتْ لسانها في فمي . تنفستُ بنشوة : - ما اطيب زفيرك . سرّتها الملاحظة ولم تعلق : - قولي قيس . - قيس . - مرة اخرى . - قيس . - قوليه عدة مرات . يعجبني ان اسمعك تلفظين اسمي . - قيس قيس قيس قيس ... اسكتُّها بقبلة . دققتُ النظر في هذا الوجه الذي يذكرني بالشمس : بشرة نارية اللون . أنف مســتقيم . فم زنجي . اسنان ناصعة البياض ومتناسقة ... العلم يجهل كيف تتخذ الخلية قرارها بأن تصبح خلية عين او انف او حنجرة . لكنني مقتنع بأن كل النساء اللاتي خُلقن منذ الازل كن مجرد تمرينات شاقة مارستها الطبيعة لتبلغ ذروة النضج وتخلق لي ليلى . واصلتُ امعان النظر فيها : - فمك هذا لي . هزت راسها موافقة . هيجَّني استسلام ليلى المتمردة الى رغباتي : - قولي ان هذا فمك لي وحدي . - فمي لك وحدك . - قولي انا كلي لك وحدك . - انا كلي لك وحدك . - كرري : انا كلي لك وحدك . - انا كلي لك وحدك . انا كلي لك وحدك . انا ... قاطعتها بقبلة عنيفة فعضتني برفق من شفتي . لمستُ باللسان اسنانها الأمامية . ابتسمتْ . لم أرَ الابتسامة . احسست فقط بفمها ينفرج . عَصَرَ قلبي الأسى : كل هذه السعادة سوف تختفي . بعد ساعة تنقلب تفاصيل هذا المهرجان , هذا الواقع الملموس , الى ذكرى كالوهم , ذكرى تغوص رويدا رويدا تحت غبار الزمن . لعل اقسى ما في حياة العاشق هو ان الأوقات السعيدة التي يعيشها لن تعود قط . وسعادتي هذه برمتها متوقفة على صدفة . مثلما قامت على صدفة . ماذا لو عثرتْ ام ليلى وهي حامل ؟ كان بوسع عثرة في طريق , سقوط من سلالم , او رعب مباغت , الغاء ليلى او جرفها مع الطمث ... - بماذا تفكر ؟ تنهدتُ بعمق : - بكِ ، بنا ، بأن هذا الحاضر المفعم بهجةً سيصبح من مخلفات الماضي , وانا اريده ان يبقى حاضرا , او يكون مستقبلا ... لماذا تبكين ؟ مسحتْ انفها بأذيال الشرشف : - لا شئ . كررت السؤال فقالت بصوت مرطب بالدموع : - لأنني سعيدة جدا معك . قبلتُ راحة يدها فقبلتْ يدي . صارحتها : - اتدرين , السعادة معك تقلقني . اتوقع فقدانها على الدوام . انني حزين جدا لأنني سعيد جدا . يضايقني ان لا اجد سوى كلمة ( احبك ) للتعبير عن حبي الى ليلى : - ساخترع كلمة جديدة . - لماذا ؟ - لأجلك فقـط . كلمة ( احبـك ) لا تكفي . انها فاترة . وكلمة ( حب ) جمع لا مفرد له , وانت مفرد لا جمع له ولا مثنى . - الا تمل مني احيانا ؟ - حتى لو عشت معك خمسة عشر بليون عام . موقن اننا نحب ونعيش ونموت بفعل الصدف . لم يكن ابي عقيما فولدت . كان جهازه التناسلي معافى : خصية تضخ حيامن تنطلق , في ختام المضاجعة , صاعدة بتحريك ذيولها , كفراخ الضفادع , الى احدى القناتين المتصلتين برحم امي , حيث تنتظر بويضة متحفزة ( أول ) حيمن يصلها ... ولكم زهوت بأن كمية السائل المنوي التي قذفها ابي ضمت حوالي 150 - 200 مليون حيمن , وانا كنت الوحيد الذي استطاع , في الظلام الدامس , وعبر دهاليز لزجة , سبق كل تلك الملايين في وصول البويضة واقتحامها ... كما وصلت ( الحيمونة ) الشاطرة ليلى . - ما الذي تفكر به مرة اخرى ؟ - بك بك بك . - ما الذي يعجبك فيَّ اكثر ؟ سألت بغنج وعدم ثقة اذهلتني . قلت بصدق : - كلُّكِ . - حدد . - الأنف ، الفم ... كلما ارى وردة حمراء اتذكر فمك . - كان يخجلني في الطفولة . - وتتباهين به الآن . - لا . انه محرج . يوحي بالسعار الجنسي . - ليس هذا صحيحا . انه وردة حمراء في اوج التفتح . قبّلتُ بنهم فمها الشهي والعنق والكتفين وكل شامة على الصدر والبطن وما تحت السرة ... شَهَقَتْ : - لحظة . انتظر لحظة . تابعتها بنظري متوجهة الى الحمام . اصغيت باستمتاع الى وشوشة الماء المتساقط على جسدها الرقيق . ما اغرب الوجود . انا وليلى ناتج تطور عشوائي طويل وبلا هدف . ابتكرتنا الطبيعة , وجمعنا الحظ في وقت ومكان واحد , فانتقى احدنا الآخر من بين خمسة بلايين انسان يشاركنا هذا الكوكب . - ما الذي يقرر مصائرنا ؟ لم تسمع تمتمتي وهي تندس الى جانبي تحت الغطاء . قالت : - جسمكَ حار . احضني . فكرتُ بانشراح : انني اسعد رجل . ترقد الى جانبي آخر واحلى ما ابدع ذاك الانفجار العظيم . - احضني بقوة . بقوة . بقوة ... كانت ليلى تلهث وهي تتحول بين ذراعي الى ضوء .
***
بعث حمزة ناصر من البريد المركزي برقية الى نفسه ورجع للبيت . مضى الى المطبخ . كان على المائدة وعاء , كيس تفاح , ومزهرية تحتوي وردة . تناول قنينة فودكا من الثلاجة . شرب كاساً وهو يدمدم بسخط . فقد نكث للمرة المليون قراره بأن لا يتعلق بشخص او بمكان او بشئ : - كل ما بحوزتي مُعرَّض للتلف والضياع . كل الأماكن مؤقتة. كل الذين احبهم يصـابون بأذى , يتغيـرون , يموتون , او يخونون . ابوه الجراح توفي بالسرطان . أعز صديق اعدم لأسباب سياسية . قريبه المهندس انتحر بعدما اعترف وترك السجن ... وكم اضطر هو للانتقال من بيوت واحياء ومدن الفها , او تعذب لتعلقه بفتيات نسي حتى اشكالهن . وها هو يعيد ذات الخطأ \ تَعلقَ بتلميذة سلوفاكية ( هنريتا كيرتشوفا ) هجرته منذ اسبوعين , مثلما كان يتوقع تماما . - لا احد يدوم لأحد . اطفأ السيجارة واخرج من الكيس تفاحة . - لماذا تَخْرَب علاقات حلوة كهذي ؟ قضم التفاحة والقاها الى المائدة باشمئزاز . بلع كأسي فودكا واشعل سيجارة .- يبدو ان الشخص الوحيد الذي سيظل معي في شتى الظروف والى آخر لحظة من الحياة هو انا . تخيل احتضاره في غرفة فندق . - لا نجاة من هذي النهاية . رشف الكاس الرابعة . التقط قلم ماجيك من جيب سترته الداخلي ودوّنَ على كيس التفاح عبارة خشي ان لا يتذكرها حين يصحو ( لعل دافع الحب الأصلي شعور حاد بالدونية ) . تفحص العبارة فاعتراه الضيق . - لعنة الله عليك يا هنريتا . افرغ التفاح في الوعاء , نفخ الكيس وفجّره بضربة من قبضة اليمين. - سكرت ! كوّر ورق الكيس بالراحتين وقذفه الى المزبلة . رن الجرس . اطفأ السيجارة ونهض بتثاقل . تمنى لو يجدها واقفة بانكسار : - هامزا . كنت حمقاء . سامحني . فتح الباب . هذا ساعي البريد العبوس . اخذ البرقية التي ارسلها الى نفسه قبل ثلاث ساعات . رجع الى المطبخ , أعد كاساً جديدة ، وقرأ بتريث : عزيزي حمزة ناصر . لا تهتم . إتّكِل عليّ . سأبقى معك , كما عهدتني , حتى لو انفض عنك الكون اجمع . المخلص حمزة ناصر . ابتهج . طوى البرقية , وقال : - تضامن . ثم استدرك على الفور : - لكنك انت ايضاً تخذلني بعض الاحيان .
***
كنت انتظر موعد عرض ( روميو وجوليت ) في المسرح الوطني . سـمعت الأب يقول لطفله الجالس على مائدة مجاورة : - ذاهب لأتلفن . سأعود حالا . لاتبرح مكانك . لم يكن في المقهى أحد سوانا . رأيت الطفل يلوث الأنف بالآيس كريم ويوشك ان يمسحه بكم الثوب . قدمتُ بسرعة منديل ورق . شكرني وقال بعد برهة : - هناك شئ واحد هام في حياة الأنسان . طويت الصحيفة وسألت مداعبا : - صحيح ؟! - بابا يقول ذلك . - كم عمرك ؟ - تسع سنين . - وما هو هذا الشئ الهام ؟ - عليك ان تعرفه بنفسك ، يقول بابا . تأملته بفضول ، وقلت : - انه على حق . فما هو مهم بالنسبة لي قد لايهم الآخرين . لمحتُ عبر النافذة , على الرصيف الثاني , غجرية تطعم طيورا فتات خبز . قال : - وما هو الشئ الوحيد الهام في حياتك ؟ لم اكن مستعدا للتفكير الجدي . استعرت جواب استاذ على سؤال مشابه في فلم رأيته امس : - لا شئ هام بذاته . كل شئ هام وغير هام . هذا نقرره نحن . الهام يتبدل بمضي الوقت واختلاف المكان والاشخاص والظروف . يمكن لشئ ان يكون هاما في وقت وعديم الأهمية في وقت آخر . نحن نحدد ما هو هام وما هو اقل اهمية او غير هام . تاه الطفل في ثنايا جوابي المسهب . لكنه كرر السؤال : - وما هو الشئ الوحيد الهام في حياتك انت الآن ؟ - لا شئ ... لا شئ . اجل . لاشئ . ما عاد يهمني اي شئ . - متزوج ؟ فوجئت بأنني اكشف اليه حقيقة اخفيتها عن اقرب الأصدقاء : - طلقت لأتزوج من سيدة احببتها سراً ثماني سنين متواصلة , فتبين انها كانت تخونني . ما عاد يهم بعد ذلك أي شئ . قدّرتُ انه اصغر من ان يدرك معنى الخيانة ومرارتها . سألني : - الم تكن تحبك ؟ - كانت تحبني كثيرا . - وانت ؟ - كنت احبها كثيرا ... اعطيتها جوهر حياتي , بل ... تهدج صوتي فتوقفت عن الكلام متشاغلا بأشعال سيجارة . نظر إلي بحياد : - لماذا كنت تحبها ؟ جاء الأب وعنفه : - انت تزعج كالعادة الآخرين بأسئلتك اللجوجة . دع السيد يقرأ . اوشكت ان اوضح انني مغتبط بالحوار , لكنه حث الطفل : - ماما تنتظرنا في محطة المترو . هيا . لم استطع استئناف قراءة الصحيفة . اطفأت السيجارة واشعلت اخرى ثم انصرفت لتأمل الغجرية وهي تطعم الطيور من كفيها المبسوطتين . - لا شئ هام بحد ذاته . لاشئ , لا شئ , لا شئ ... قلت ذلك لنفسي مرارا كي أقتنع , وأضفت بيأس : خسارة الحب فادحة , لا تسكّن اوجاعها قوة المنطق ... كيف استرد صلابتي الروحية ؟ جاء النادل ورفع قدح آيس كريم فارغا من على المائدة . سألته باستغراب : - لمن كانت الآيس كريم ؟ اجابني وعلى ثغره ابتسامة غامضة : - ارجو انك تمتعت بتناولها . ضحكتُ بارتباك : - آ . نعم . شكرا . بالتأكيد . تطلعتُ الى المائدة المجاورة فلم اجد اثرا لقدح آيس كريم . اردت ان اسأله إن كان يجلس منذ دقائق طفل ... لكنني خفت من الجواب . شربت ما تبقى في الكأس وحاولت النهوض .
***
- 1 - خانتني خديجة . قتلتها بأسلوب مبتكر لن افصح عنه .
- 2 - احضرتُ حجر نيزك ابيض سقط من السماء في مزرعة جدي . نقلته بشاحنة من الحفرة الى المشغل بالبيت . سابدأ العمل غداً .
- 3 - منعني الأرق من النوم . ذهبتُ غبشة منتفخ الجفون الى الحجر. طفت حوله . تلمست السطح الصلد الأملس . هذا الرسوخ يستفزني ... وفجأة تنبهت الى انني منهمك بِطَرق الأزميل . لم اخطط على ورقة . وثقت بخصب خيـالي وأمانـة الذاكرة . تمر الساعة تلو الساعة وانا ارجئ العودة للنوم .
- 4 - تجسدت بين يدي : عينان عميقتا النظرة . فم كوردة حمراء في اوج التفتح . أنف اخنس . اذنان بأقراط كبيرة ... وضاق تنفسي . استنشقت كثيرا من الغبار. تغرغرت بالكونياك وغفوت على مقعدي من فرط التعب .
- 5 - ارتحتُ اسبوعاً . زرت المتحف عدة مرات . هناك ارى طفولتي . اجوب الاروقة . اتفحص مخلفات فنان حك حجرا بحجر ليضرم النار , او ينتج اداة الرزق والسيطرة : أواني , كؤوس , سكاكين ورماح ... تماثيل بحجم الأصبع او الكف او البدن .
- 6 - أخرجتُ بالقطن شظية طفرت الى عيني اليمنى . سالت الدموع بغزارة . لكنني تلثمت بقطعة قماش واسـتأنفت العمل ... اطرقُ الأزميل واحفز نفسي : هيا , انت عظيم . طوّعْ هذا الحجر الجلمود لأعذب مشاعرك . اخضعه لأهوائك القصوى . اقهر مقاومته . افرض ارادتك عليه , اجبره على التشـكّل كما تريد . اطرق بقوة ولين , بقوة ولين ، بقوة . كل طرقة تخلف فيه اثرا منك يبقى الى الأبد . هيا اطرق اطرق اطرق ...
- 7 - فرغتُ من نحت العنق والجذع والورك واستسلمت للنوم ... حلمت انني غدوت عملاقا وتابعت النحت بالأظافر . احاط بي , في كهف واسع , حشد من لصوص بالغي الأناقة . توجهتُ منحني الظهر الى منصة عليها مطرقة , خاطبتهم : - هذا الحجر لا يُدرى من راميه في هذا الكون . شق طبقات الجو كسهم ملتهب ليصلني . لو سقط في عهد الأوثان لعبدوه . اما انا فسأجعله حبيبة تعبدني . - نشتريها منك . قال احدهم . اوعزت له بالمثول امامي : - هذه منحوتتي . لا تباع . لن تمس . فهمت ؟ ضربته بالمطرقة فأصبح حفنة تراب .
- 8 -
للحجر مسامات وخلايا . للحجر لون خاص . لكنني خضبت المنحوتة بمزيج من نقيـع المسك والحناء والكافور والارجوان . زينتها بشامات داكنة . كسوتها بفستان ازرق فيروزي شفاف يعود للراحلة خديجة . تراجعتُ خطوتين لأحيطها بنظرتي متفحصاً : تناسقٌ بديع يورث الدهشة ... انا الذي صنعتها !
- 9 - مرغتُ فمي على زغب نبت فوق زاويتي شفتيها . رمشتْ الجفون وشهقت . ارتعش قلبي . زفير كأريج الورد . وضعتُ رأسي بين النهدين فسمعتُ دُم.. دم .. دم .. دم .. دم .. لم اصدق . أوشكتْ ان تعطس , لكنها ابتسمت ، حدقت في عيني , ونطقت : - من انا ؟ اعترتني قشعريرة . مسدتُ جبينها لتطمئن : - انتِ خديجة . اسمك خديجة . بالوسع ان تبدأي الحياة . تمطت وهي تتثائب .
- 10 - تجولتْ حافية في انحاء بيتي . تبعْتُها من حجرة لحجرة . كادت تتعثر بمصـاريع الابواب . وقفتْ بتردد وفضول امام مرايا خزان الملابس . كنت اتفرج عليها بنشـــوة وتـوتـر وخــوف . خلعـتْ الفســتان . تمعنت فـي وجهها المثلث . صرقعت الأصابع . ثنت المرفقين . قرصت النهد . دغدغت بالسبابة الأبط وتجويف السرة . استدارت لترى تكور المؤخرة وابتسمت . ناولتُها مشط خشب . نفضت رأسها كفرس وانهمكت في تسريح الشعر متمايلة الى الشمال واليمين . خمنتُ انها مسرورة بالوجود . سألتني ببراءة : - ماذا عليّ ان افعل ؟ - ما تشائين . انت حرة . قضت اليوم تتطلع في المرآة , او تستكشف الحديقة . اصغت الى تغريد العصافير , تشممت القداح , ركضت مكركرة وراء نحلة بين الأشجار , مسحت بيدها درقات السلاحف بين الأحراش ، ثم استلقت فوق العشب . حطت على أرنبة الأنف فراشة زاهية الألوان . لم تقبض عليها , نفخت برقة ... فطارت .
- 11 - سألتني في الصباح : - البحر قريب ؟ - سبع دقائق . - تصحبني اليه ؟ - بالتأكيد . لبستْ ثيابا داخلية تشبه جلد نمر مرقط . لبستْ قميصا دون أكمام وسروال جينز ازرق . قالت ونحن نخرج : - اعجبك هكذا ؟ ابدو حلوة ؟ - جدا . اكثر مما ينبغي .
- 12 - قدتُ السيارة الى شاطئ وغابة . تركتني مشدوهة ومضت الى حافة الماء . نظرتْ مليا الى اختلاط الأخضر والازرق في فضاءات متداخلة . الامواج تتدافع هادرة ثم تسجد على قدميها وتنسحب . تعرت دون ان تلتفت صوبي . سبحت بمهارة حورية وجاءتني تلهث . نشّفتْ جسدها بشعاع الشمس . جلسنا عند رصيف مقهى , نروي العطش بالمرطبات وندخن .
- 13 - اخذت تسبح غباً . نرجع منشرحين الى البيت . نتعشى ونحتسي النبيذ ونكركر . صرنا نتسابق في الحكي عن مدى شغف كل منا بالثاني . ندخن سجائر كثيرة . خيوط الدخان تنعقد بيننا فتتلوى صاعدة وتتلاشى ... في الليل اُحسُ طعم الملح في شفتيها وفي الحلمتين .
- 14 - - لا تسبحي بعيدا عن الشاطئ . اعربتُ لها عن خوفي من اسماك القرش . قهقهت : - لا اسماك القرش ولا كنوز البحر تستطيع اخذي منك . لا اعرف لماذا تذكرتُ بقلق حلم الكهف . عشنا بسعادة ورغد . نطيع بعضنا ونلبي الرغبات دون تذمر . حين امرض تشفيني بنظرة حنان ، تقيس حرارتي بفمها المكتنز ... وتسليني بحكايات عن وفاء زوجات البحارة والمحاربين .
-15- غافلتني ذات مرة وسبحت بعيدا عن الشاطئ . غابت عن مدى البصر . انتظرتها ساعتين ولم تعد , انتظرتها يومين ، سنتين ولم تعد . لا اعرف كم بالضبط انتظرتها . ولمّا يئست ايقظني كابوس مفزع . رأيتها ترقد مهشمة الى جانبي على الفراش . آ , ماذا حدث ؟! احتضنتُ كومة احجار باردة وانتحبت . ماذا اقترفت خديجة ؟ سقطتْ من علو شاهق ؟ ام ضَرَبَتْها مطرقة مجنون ؟ بذلتُ محاولات مضنية لترميمها بالعسل والدموع . اعطيتها دفقات من روحي . صرختُ بالناس الذين تجمعوا : لمْ اقتلها . هي ســقطت . قلت لهم ســاعدوني , هذه ليست خديجة . قلت لعــلها غرقت . هرعنا الى الشاطئ . قلت لهم سـاعدوني , لعلها تاهت في الغابة او خطفها لصوص ... وها انا انتظر مبتهلا الى الله ان يتغمدني برحتمه . قد تحملها اليَّ موجـة او قارب صـيادين . قد يرشدها الى بيتي درويش ... لن اصنع اخرى . لقد تعبت . سألهو بالرمال وانتظر .
***
جاء القطار . كبح انسيابه بالتدريج وهو يدخل المحطة . احدث التوقف البطئ صريرا . سأل بصوت مرتعش : - هل برد الجو ام انا بردان ؟ - برد . جففت بمنديل عينيها المحمرتين . اراد التستر على اضطرابه بالكلام : - غوثنبرغ ادفأ من بقية انحاء السويد . الجنوب كله ادفأ . كادت تقول ( إبقَ معي ) فقالت : - غداً اشاهد روميو وجوليت . ابتسم بتشنج : - مدينة الصيارفة لندن لا تناسب هذي المسرحيات . تحاشت الرد . رأى رجلاً وامراة يتعانقان بحرارة قربهما على المسطبة . تذكّر اول عناق في سيارته . اصيبا بالذهول ... وادرك سريعا خطورة تضخم عواطف الحب . بدأ يستعد بقلق للنكبة : لماذا نرهن سعادتنا بشخص او بشئ زائل ؟ أهذا عدم نضج او قلة وعي او ... هي تتخبط ايضا : كل انسـان يخطئ . تركتني سـنتين . ثم خبروني عن علاقتك مع مغربية ومع غيرها وغيرها وغيرها . يدمدم متلعثماً هو : لكن ... يا الهي . اُف . يا الهي . لا استطيع البقاء , ولا الذهاب . - ماذا قلت ؟ - برد . ارتج القطار واصطكت عرباته . ازف الانطلاق . مسافرون متأخرون . كل واحد يجري باتجاه . حقائب . مصافحات . تلويح . وعود ... - إبقَ . ارجوك . فكرتْ بتضرع . ولج عربة رقم (1) كمن يلج تابوتا . جلس عند النافذة . اغلق الستارة . اخذ من الحقيبة زجاجة لبريوم . مضغ حبوبها ببطء . طعمُ جبس مر . هجع في مكانه وقفز الى الرصيف . وجدها تحدق بوجوم في نقطة غاب فيها القطار منذ ساعة . همس في تجويف الاذن : - غفرتُ لك . لم تسمع . صاح : - مازلت احبك . لم تسمع . صاح بصوت اعلى : - احبك احبك احبك ... وحاول عبثاً جر شعرها بيده التي غدت كطيف , لا تقبض على شئ . حاول احتضانها فانزلقت من خلاله منكسة الراس ومشت الى الخارج . تبعها كالشبح راكضاً , هي تبكي وهو يلهث . وصلا البيت . انفاسه تتلاحق قصيرة وتوشك ان تنكتم . استطاع ان يبلغها بغبطة : - قررت البقاء معك مدى الحياة . كان القطار يجتاز في تلك اللحظة نفقاً وهو مغمض العينين .
***
كتبتُ الى سهاد , على ظهر صورة لبيكاسو , رسالة عتاب لم ابعثها , فجاوبتني برسالة شوق من كلمة : تعال ! وضَعَتْ الرسالة في مغلف , عليه طابع بهيئة قلب جريح , والقته الى نار الموقد في الصالون . تراقص دخان كحمامات بيضاء تهسهس بأجنحة متكسرة . وصلتني الرسالة . قرأتها الف مرة قبل ان اُخرج من دولاب الملابس قاصة . - اين وضعتُ المفتاح ؟ ربما ضاع في غضون الانتقال من براغ الى موسكو الى ستوكهولم . فتحتها بأصبع دناميت وجدته بين مناشير صفراء . القاصة مثل قلعة مهجورة تحوي خصلة شعر اسود موخط بالميش : - أهذا كل ما تبقى ؟! اجتاحتني نوبة سعال من فرط التدخين . شربتُ سبعة اقداح فودكا وذهبتُ الى مركز المدينة بمنطاد ملون . انه من صنع طفل يشبهني ؛ يقيم في عمارتنا منذ خمسين سنة . بعت الخصلة الى حلاق يوناني لا يكف عن الدندنة وهو يعمل . شذّبَ لحيتي مجاناً واعطاني صكين ؛ القيت احدهما الى قبعة عازف غيتار اعمى داخل رواق ( فمان ) واشتريت بالثاني خارطة العالم مع تذكرة سفر . قلت للموظف السويدي : - وان واي تكت تو لندن , بليس . - مَنْ عندك في لندن ؟ سألني الشرطي في هيثرو . كذبت : - لا احد . حصل هذا معي سابقا . سأخبره الحقيقة في هذه المرة ، سأخبره : - لا احد . شكرتُ الموظف على مساعدتي . لم يسمع . كان يتغازل بالتلفون . هرولت بلا حقائب الى المطار الذي يبعد عني ساعة بالسيارة . جاء طفل المنطاد يبكي ويمسح المخاط براحة الكف . وعدته : - سأرجع . لن اتأخر. لا تهتم . اشتريت له حلوى ولي هامبورغار مع زجاجة كوكاكولا . كنت جـائعـاً من القـلق . اقلعت الطــائرة دون اهتـزاز او هديـر. ازحتُ الستارة لأتفرج . تحتي غوثنبرغ : لوحة متقنة لأرخبيل عشوائي وغابات . بعد ساعة و45 دقيقة هبطنا في هيثرو . رأيت كل الركاب ينزلون ماعداي . لم اكن في الطائرة . كنت ادخن في غرفة نومي واقرأ , للمرة الأخيرة , رسالة الشوق التي القتها سهاد في النار . ادهشني ان لا تكون في استقبالي . كان الطفل وحده يلوح باليدين . تساءلت : أهو يستقبلني ام يودعني ؟
*
خرج من الشفق منطاد . رفع الطفل راسه ضاحكا ودعاني للأياب الى البيت : - هيا . ترددتُ . حط المنطاد على شارع ( افنين ) كفقاعة . غادره الحلاق وهو يدندن . كان يحمل على كتفه قاصتي ويسحب , بمغناطيس كحدوة حصان , عازف الغيتار الأعمى . قال لي : - لاشئ هناك . ونصحني الأعمى : - إبقَ هنا . لاشئ هناك . عندما لاحظوا حيرتي اخذ الأعمى يعزف والحلاق يغني باليونانية . احتشد جمهور كجوقة على مسرح , وتعالى الصوت بالتدريج : انتِ يا صـاحبة الشـعر الموخط بالميش \ نسـيتُ عندك خنجري \ نسـيتِ عندي أقراطـك العسـجدية \ دعي طيــور الدخــان تلتـهب بالأشــواق \ فالشـتاء قادم \ وموقدي برد ...
تذكرتُ بحسرة شتاء براغ ، الاقراط الكثيرة ، اصابع حمرة الشفاه ، والشعر الموخط بالميش . تذكرت افراح اللقاءات . اكاد انسى تلك الأفراح . لماذا الحزن والألم اقوى من الفرح واطول ؟ لماذا تعلق الذكريات المؤلمة في الذهن وتترسخ اكثر من الأفراح ؟ غطيتُ رأسي باللِحَاف . اقفلت اذني بالسبابتين . وفتحت عيوني . اطبق ظلام ودفء وسكون . لم اعد اسمع سوى ضجيج احتكاك رموشي بقماش الوسادة .
***
ملامسة الواقع
حلمتُ انني نائم وايقظني صوت زجاج يتكسر . انرت مصباح الغرفة ونزلت بجلبابي الى الصالون فإذا بعشيقتي سهاد تقف عند الباب المخلوع وفي يدها خنجر نصله مضئ كالهلال . - اجلس هنا ! اشارت بالرأس الى اريكة لكم مارسنا الحب عليها في اثناء غياب زوجتي . كان الحقد يشع من العينين السوداوين فانقلبت الفتنة الى قبح مخيف . بدت كقزم عجوز , سمينة , واكبر سنا . سألتْ عن زوجتي : - كيف حال نسرين ؟ - لا بأس . كونياك ؟ - اين هي ؟ - نائمة . فوق . الجميع نائمون ، كونياك ؟ ( وأضفت بتواطؤ ) لم يسمعوا صوت تكسر زجاج الباب . - افتحْ يدك . - لماذا ؟ دنت مني اكثر وقبّلت الأذن كالعادة : - افتح . امتثلت للأمر وعلى فمي ابتسامة قلقلة . لفظت هي كلمة لم اتبينها وطعنت راحة كفي اليمنى بحركة خاطفة . سحبت يدي وحاولت الوقوف . - لا تتحرك ! صاحت وضربتني بكعب الخنجر على قمة الراس . تهاويت فوق الاريكة . كاد يغمى علي . احسست بالدم يسيل حارا بين شعري الكثيف . - افتح الثانية . فتحتها بلا مقاومة وانا احدق باستغراب في الوجه الصارم الذي كان طوال السنوات الخمس الماضية يفيض وداعة وحنانا . سألتُ بحيرة : - لكن لماذا ؟ انني مازلت احبك . في هذه اللحظة نزلت زوجتي متوجهة الى المطبخ . مرت وكأنها لم تلحظ ما يحدث . اسندت سهاد راسي بيدها وحزت بطرف الخنجر خطين متصالبين على جبيني. غادرت زوجتي المطبخ فقلت لها مستعطفاً : - الا ترين ؟ بسطتُ راحتي امامها . همستْ هي بتهكم : - وماذا تريدني ان افعل يا يسوع المسكين ؟ - افعلي شيئا . - اتلفن الى الشرطة ام الى زوجها ؟ - لا لا . لا شرطة ولا زوجها . قالت بتعجب يخالطه التشفي والغيرة : - انت اذن تخاف عليها ! لم تُظهر سهاد أي اهتمام بحوارنا . كانت تنتصب كتمثال من فولاذ تجمدت تعابيره . نظرتُ اليها بدهشة : - ولكن لماذا ؟ هل جننت ؟ انا محمد . حبيبك محمد . اتسمعين ؟ صعدت زوجتي توقظ اطفالنا للذهاب الى المدرسة , بينما استأنفت سهاد حز جبيني بطرف الخنجر كممرضة بلهاء تعالج جريحا يموت . لم يمنعني ذلك من رؤية الأطفال الثلاثة يتجولون حولنا بعدم اكتراث . ابتسمتْ بود على نحو مفاجئ . سلمتني الخنجر المضئ وتناولت مسدس اطفال بلاستيكيا من الحقيبة السوداء . تظاهرتُ بالفزع : - ماذا تفعلين ؟ من اين لك المسدس ؟ لم تجبني بل اطلقت رصاصة على قلبي واخرى على قلبها وهي تقهقه . سقطنا مضرجين بالدماء . ايقظني دوي الرصاص من النوم . شهقت كغريق انتشلوه تواً . اول ما فكرت به هو مقابلة سهاد لأروي اليها تفاصيل هذا الكابوس المريع ... الا انني وجدت آثار دم على اليدين . تساءلتُ بذهول : - الم يكن كابوسا ؟! هرعت الى الحمام لأرى جبيني في المرآة .
***
سكيتشات
تمدد على السرير . في الخارج يهطل رذاذ وجليد مائع . لم يغمض له جفن منذ امس . قالت بالتلفون : - لنفترق ! رفضتْ الافصاح عن السبب . رأى نفسه يسقط كحصاة الى اعماق بئر حالكة السواد . - في لحظة يتهدم كل ما بنيناه خلال ثماني سنين . دفن راسه تحت الوسادة . - لا يُعقل ان تكون هذه هي سهاد . الا تتراجع عن قرارها الغامض وتعتذر ؟ ضاق التنفس . ازاح الوسادة بقرف . قعد على السرير لحظة وقام الى المطبخ . ظل يتلفت ، محدقاً بالأشياء ، لا يعرف ماذا يريد . فتح الثلاجة ، استطلع جوفها بعدم تركيز ، اخرج زجاجة نبيذ ابيض وشرب جرعة كبيرة . تذكر كيف كانا يشربان الكونياك من افواه بعضهما فارتعش قلبه . - كل شئ ممكن . الحب يصبح بغضا . البغض يتحول الى حب ، الاحترام الى ازدراء ، الجبن الى جسارة ... ذهب الى سريره . استلقى على البطن وغفا سريعاً . استيقظ على طرق خفيف بالكاد يُسمع . - هي ؟ قفز الى الباب وفتحها بقوة . لم يجد سوى نفسه واقفاً حافي القدمين تحت الرذاذ . - هذا انتَ ؟ انا طرقتُ بابي ؟! رجعَ الى السرير خائبا . - هلوسة . قال وتثائب كالفهد ( آآآآه ) ثم دس رأسه بين وسادتين , واضاف بتذمر : - لا شئ يستحق الاستيقاظ .
انعقدت علاقة حب كبير بينهما في براغ . دامت 1999 يوما . هي أُرغمت على الهجرة الى ويلز وهو الى ستوكهولم . قالت له بعد سنتين من الانتظار المبرح : - إسمع . قررت الطلاق من زوجي وانهاء العلاقة معك . لا يوجد في حياتي أي رجل آخر . سأنصرف لرعاية الاطفال فقط . انهم اثمن ما عندي الان . حاول فهمي ارجوك . شلّته المفاجأة . اغلق التلفون . جلس على كرسي المطبخ ساكنا , ثم نصح نفسه : الأفضل هو التمشي في الغابة وعدم التفكير , عدم التفكير , عدم التفكير... كانت السماء ملبدة بالسحب , والشمس كمصباح يذوي شعاعه في الدجى . صادف شجرة زان منقوش على جذعها الضخم افئدة وعبارات متلاصقة : انا احب جوليت , روميو . انا احب باربرا , تيم . انا احب سوزن ... - انا احب نفسي . قال بفرح . اعتراه غيظ وانتشاء . اخرج يده من جيب السروال فرأى خمسة مخالب تنمو سريعا في رؤوس الأصابع . لم يندهش , بل قرفص على الارض وعوى : آووووو آوووو آوووو ...
- كنت اتوقع ذلك . رد بهدوء وأغلق التلفون . جلس على الأريكة مطرقا . عطلتْ الصدمة نوابض الأنفعال . ذهب بخطوات متثاقلة الى الحمام . مشط دون ان يتطلع بالمرآة في عينيه المحمرتين . ارتدى بدلة ارسلتها قبل سنة في عيد ميلاده الأربعين . اخذ من الرف كتاباً لسانت اكزوبري ( بريد الجنوب ) واستل من بين دفتيه رسالة حب وصلت منذ شهرين ليس إلا . قرأها بسرعة وخرج . أراد المرور بالمقهى فتوجه الى الغابة مباشرة تفاديا لمقابلة الأصدقاء والمعارف . بلغ شاطئ بحيرة البجع . بحث عن شجرة زان ضخمة يلتقي عندها العشاق عادة . حفر بمفتاح على الجذع المتين " أنا احب نفسي " , برّوَز العبارة بفؤاد حفره بالمفتاح ايضا ورجع الى البيت . وجد زوجته نسرين بالأنتظار : - رافقني الى الطبيب . وافق على مضض . وسألها بعد مغادرة العيادة . - ماذا قال ؟ - انت مرهقة جدا . تحتاجين الى راحة ( واضافت مع ابتسامة ذات مغزى ) قال تحتاجين الى حب وحنان . تجاوز الرغبة في تطمين حاجتها بكلمة طيبة . امتعض من قسوته . ذهبت هي للتسوق ورجع هو الى البيت . اراد ان يكون وحده ليفكر . تلفنت سهاد : - لم اعد احتمل شكواها من فتورك . انها تتعذب بسببي . - تلفنتْ ؟ - امس . اشعر بالذنب . - انا كذلك . تعرفين كم اعزه . نحن تورطنا في حب بلا امل . بعد فترة صمت مريبة ، قالت : - لا استطيع الأستمرار بالكذب عليهما . قررت الطلاق منه وقطع علاقتي معك . استغرب من تناقض مشاعره . فقد انزعج من قرارها وارتاح .
طلق بذرائع مفتعلة ليحرر سهاد من عقدة الذنب ويريح ضميرها . كان الطلاق اليماً ، غير انه الثمن الوحيد للأحتفاظ بعلاقة الحب . قالت بالتلفون : - لا استطيع الأستمرار معك . - لماذا ؟ لم اعد متزوجا . لم نعد متزوجين . بعد فترة صمت جاءه اعترافها الصاعق : - انني مرتبطة مع رجل آخر يرغب بالزواج مني . بلع ريقه بصعوبة ( هذا هو ما يفزعني في الآخرين ، التغير المباغت والحاد ) . تساءل بوهن وبلادة : - أي رجل ؟ - هذا لا يعينك . تندى الجبين بالعرق . كاد يقول ( حتى البغي لا تخاطب زبونها بهذه الصلافة ) لكنه تنفس عدة مرات , وقال : - انتظرتك سنتين ياسهاد ... لماذا اخفيتِ عني ... وأدرك على الفور سخف المحاججة وعدم جدواها . ادرك ان سهاد .. انتقلت .. الى .. عالم .. آخر ... افلت سماعة التلفون من قبضة يده , فاختلجت ابتسامة ذهول على شفتيه : - سبع سنين حب ! ظل ساكنا على كرسي المطبخ , يبحلق في ساعة الحائط , يتابع قفزات عقربها الأحمر : تك تك تك تك تك تك تك وسمع بوضوح مخيف صوتاً يدمدم : - انتِ اذن لم تكذبي على اثنين فقط ؟ هرع الى الحمام ليتقيأ . رش وجهه المحتقن بماء بارد وحار بارد وحار بارد بارد بارد بارد ... - كلنا نكذب . لا وجود لأمرأة دائمة الوفاء ، لا وجود لصديق دائم الوفاء ، لا وجود لوفاء دائم ... لماذا لا احب نفسي وارتاح ؟ نظر في المرآة طويلا وقال بحدة : - إخرسْ انت . لم اعد اثق حتى بك . خيل اليه انه يضحك . لم يكن يضحك .
***
- لكَم هي موحشة الحياة بدونه ! وقفتْ عند شباكٍ مغلق . كل شئ امامها ساكن ومغطى بالثلج : سهلٌ فسيح تحده صخور عملاقة من الطرف الثاني , وغابة تحجب ميناء المدينة . تأملتْ مسطبة لأستراحة المتنزهين . كانت تجلس عليها حين ابلغته : - سأقص شعري لو تركتني يوماً . جلس الى جوارها وهمهم في الاذن الصغيرة : - لن اترك ينبوع سعادتي الوحيد . هيا , اعطني قبلة . بعد اسبوعين فقط اعترفت بخيانتها وطلبت ساجدةً العفو . عجز عن النطق . اخرسته المفاجأة . غادر البيت ولم يرجع . قيل انه اختفى في قرية قرب حدود النروج . وظن البعض انه عاد الى وطنه العراق , او انتحر بطريقة لا تخلف اثرا ... - لكنني احس انه ما يزال في السويد . اتوقع ان يدق الجرس في كل لحظة او يتلفن او يبعث رسالة . سيغفر زلتي . انا اعرف .
شاهدتْ كتل ثلج تسقط من على اغصان شجرة باسقة . ذهبت الى المطبخ , تناولت من الرف قرص فاليوم ثانياً وبلعته بجرعة ببسي ... وتذكرت قولها : - إن تَخُني سأتحول الى عاهرة نكايةً بك . رد بحنان : - لن اخونك . اطمئني ؟ مسحتْ بأصابع يد مرتعشة دمعتين انزلقتا الى الفم . ملأت زجاجة نبيذ فارغة ماءً من حنفية المطبخ وسقت , مرة اخرى , ثماني نبتات تنتشر في غرف البيت . تباطأ تنفسها . تربعت على وسادة من جلد ابيض فوق البساط , اسندت الظهر المستقيم الى الاريكة , وفتحت التلفزيون . رأت على الشاشة قطعان ضباع تطارد ظبية شاردة تجري بكل قوتها ثم تكبو ... أغمضت العينين . - لكل منا لحظة ضعف . انا بشر ... قالت له بتوسل . لم يسمع . ترك البيت مذهولا .
*
غطت رأسها الأقرع بشال اسود , اشعلت سيجارة , ومضت الى شباك المطبخ , آملة ان ترى ساعي البريد يسحب عربة ذات عجلتين . لم يكن في الخارج غير بضعة اطفال يتزلجون على الواح بلاستيك متعددة الألوان . وضعت ابريق ماء على النار ورجعت الى الشباك . تعلقت عيناها بنسر يحلق وحيداً على ارتفاع شاهق حتى تحول الى نقطة وتلاشى . اخذت الى الصالون , بصينية خزف , ابريق الماء المغلي مع قدحين في كل منهما كيس شاي وقطعة سكر . - كم تمنيت لو عاقبنى بضربة سكين او بركلة على بطني ... هذا العقاب اسهل عليّ من الهجر. رَنَتْ الى صورة فوق سطح المكتبة يبدو فيها وهو يرشف الشاي . تمنت لو يدق الجرس الآن ويدخل . نهضت لتلثم الصورة فتوجهت الى الباب , فتحته ودقت جرس بيتها بالحاح وهي تبكي .
***
بتكون ماشي , محير وماشي ملبك وماشي وبتحب . بتحب مدري كيف بيصير قلبك مثل شي فراشه حلو وخفيف مدري كيف مرات مدري كيف ! ]
* مقطع من قصيدة باللهجة اللبنانية , نشرت في " الحياة " يوم 26 شباط \ فبرواري 1995 تحت عنوان ( اغنية ) وكانت خالية من اسم المؤلف .
*
الشخصيات : رجل وسيم في الاربعين . امرأة حسناء في الخامسة والثلاثين . المشهد : غرفة نوم يضيؤها مصباح ازرق خافت , تحتوي على سرير واريكتين متقابلتين تفصلهما مائدة منخفضة . ستارة النافذة مسدلة بإحكام . على كل حائط معلق رسم زيتي . حين ترفع ستارة المسرح . نرى الرجل عارياً على السرير , غطى النصف السفلي فقط بشرشف مورّد . على المائدة , وسط الغرفة , تتبعثر زجاجات نبيذ وصحون تحتوي بقايا مأكولات : لحوم مقددة , زيتون , خبز , فضلاً عن شمعة حمراء , ومنفضة فيها سيجارة تكاد تنطفئ . نسمع صوت مياه تتدفق على جسد امرأة يتثنى بليونة في حّمام محجوز بجدار زجاجي مضبب . ينفخ الرجل دخان السيجارة باتجاه الشمعة فيهتز لهيبها . يفتح المسجل على منضدة الى جواره . ينبعث صوت فيروز . يتنبه الى فوضى الغرفة . على المائدة ومساند الأريكتين وسجادة الارض تتناثر اقراط فضية , خواتم , حلقات زواج , قميص , بنطلون , جورابات , حاملة اثداء , سراويل داخلية ...
الرجل : ( يرفع الحاجبين ويتمتم ) معركة الحب العظمى لم تبدأ بعد ! ( ينظر الى اصابع القدمين الظاهرتين من تحت الغطاء , ينظر الى السقف الابيض , الى نقوش الحائط , والى رسم يمثل عشاً بين اغصان شجرة سـرو ... ) . المرأة : ( يتوقف صوت تدفق المياه . تفوح رائحة صابون كرستيان ديور . يتشممها الرجل بنشوة . تنفتح الباب , وتندفع هي مجللة بمنشفة وعلى ثغرها ابتسامة ) الآن قل لي , كم سنة وشهر ويوم وساعة مضى على حبنا ؟ الرجل : بُممم ... وانفجر الكومبيوتر ! المرأة : ( تضحك وتصـعد الى السرير بخفة وتندس تحت الغطاء الى جانب الرجل . تهتف بدلع وهي ترى المنفضة ) اين سيجارتي ؟ الرجل : تحولتْ الى رماد ( يرتكز على المرفقين ويزحف بقفاه ليتمكن من الجلوس فيسهل اخذ سيجارة من علبة مالبورو على المائدة ) تفضلي . المرأة : الكاس ايضا ارجوك . الرجل : ( يناولها الكاس بحذر ) تفضلي سمو الملكة . المرأة : ( تتخذ هي الاخرى وضع الجلوس , مسندةً ظهرها العاري الى وسادة ريش , وتقول كطفلة ماكرة ) لا احد يعرف سوانا بهذا الحب . الرجل : هذا بالذات هو ما يرهقني ( يكرع كل ما في الكـأس ) لكم بودي البوح بحبنا . المرأة : لمن ؟ الرجل : لا ادري . لصديق واحد على الأقل . المرأة : انا كذلك احتاج الى من ابوح اليه . الرجل : ربما يوسف ... المرأة : ( تؤيده بحماس ) اجل , انه عاش تجربة مماثلة . الرجل : وهو كتوم . المرأة : ( تزيح المنشفة عن راسها وتتنهد ) متى استطيع التمشي معكَ يداً بيد في شارع فاتسلافسكي ؟ الرجل : اليوم . المرأة : لا امزح . اريد ان تعرف براغ كلها انني احبكَ ؟ الرجل : ( يغير كاسيت فيروز ) عندئذ سيقتلني المعجبون بكِ . المرأة : تستحق ( تقرص انفه ) انت الوحيد الذي افلح في نيلي . الرجل : ( يفرك الأنف بظهر كفه ) وستُمزَق قصص كثيرة كُتبتْ عنكِ , وقصائد , ورسوم , وصور فوتوغرافية ... المرأة : ( ترشف بسرعة الكأس ) اما انا فسيتهمونني بالجنون , لأنني اخترت اصعب رجلين , احدهما كزوج والآخر عشيقاً . كل واحد منهما اشطن من الثاني . الرجل : الى اين سافر ؟ المرأة : الى قبرص . الرجل : لأسبوع ؟ المرأة : لأسبوعين . الرجل : ( يخفض صوت المسجل ويستدرك بتردد ) أتدرين ماذا ؟ المرأة : ادري . الرجل : ( يضحك ثم يكرر السؤال معقود الحاجبين ) اتدرين , يخيل لي احيانا انني احبه كصديق اكثر مما تحبينه انت كزوج . المرأة : ( تعلق فوراً ) وانا احبها كصديقة اكثر مما تحبها انت كزوجة . انني احبكما بنفس القدر . لا استطيع الاستغناء عن احدكما . هذه مشكلتي . الرجل : ( يغمض العينين برهة ويفتحهما ) المشكلة ( صمت ) المشكلة ... هي اننا نعلم بأننا نرتكب خطأ غير قابل للتصحيح . المرأة : ( تدفع الغطاء عن صدرها وتاخذ رشفتين من الكاس ) اذا ارتكبتَ خطأ لا يمكن تصحيحه , إنساه ... وإلا سيقتلك الندم . الرجل : كولومبوس اكتشف العالم الجديد عن طريق الخطأ , وانا اكتشفتك ... المرأة : ( مازحة ) عن طريق الخطيئة ( يضحك . وفيما يستغرق في التفتيش عن تعبير ملائم , تسحب هي نفساً من السيجارة , وتسحقها في المنفضة ) لا اصدق انني انا وداد خنت أعز صديقة لي . الرجل : ولا انا اصدق انني خنت صديقي الحميم ( يضيف مازحاً ) مع انني مستعد لأن اخون الوطن من اجلك . المرأة : تكذب . وهذا لا يشرفني على اية حال . الرجل ( يشعل سيجارة , ينفخ دخانها الكثيف باتجاه السقف , ويصبّ كأسين جديدين ) كيف ساقنا القدر من العراق الى مدن كثيرة حتى نجتمع هنا في براغ ونتعارف ؟ ( يتأمل لوحة تزين الحائط وكأنه يراها للمرة الأولى : عشٌ محكم البناء عند ملتقى اغصان متشابكة لشجرة سـرو ) انني احلم به دائما , يعاملني بمودة تارة , او يسدد لي نظرات عتاب تارة اخرى , او يتجاهلني ... اتظنين انه سيتفهم ملابسات علاقتنا ويغفر ؟ المرأة : لا . لا ادري ( تبدو على الرجل امارات الحيرة . ثم يختلس النظر الى ساعة الحائط . تسأل هي بمرح مفاجئ ) لماذا يقطب الملك الجبين ؟ الرجل : ( يرد واصابع الكف تعبث بشعرها الذي مازال ندياً ) في كل شئ حلو هناك طعم مرارة ( صمت ) اعني ( صمت ) او ما ان نتذوق حلاوة السعادة حتى تتلاشى مثل قطعة سُكَّر في قدح شاي . المرأة : انتَ قطعة سكر , لا تذوب إلا على لساني ( تقبله ) انت لي فقط ( تستدرك بنبرة انصاف ) او شئ منك اليها ايضاً . الرجل : لا . انا مرٌ جدا وحزين . المرأة : ( باستنكار ) معي وحزين ؟! الرجل : ( صمت ) من فرط السعادة . المرأة ( ( ترفع يدها بمزاح ) قف . لا تخدعني . فسّر قصدك . الرجل : ( يضع الكاس على المائدة , وينبطح على بطنه فيصبحا متقابلين ) سيأتي يوم لا ارى فيه وجهك هذا , بل اتذكره فحسـب . اتذكـر هـذا الفم , هذه الأسنان , هذه الشــامة بين النهدين ( يقبلها ) بينما أرى الآن كل شئ , المسه , اشمه , اقبّله ( يتناول من يدها الكاس , يضعه على المائدة , ويقبّلها بعنف وشهوة . يتجاهلا سقوط قدح فارغ لكزه دون قصد ) هذه اللحظات الملتهبة ستغدو جزءا فاترا من الماضي . المرأة : قبّلني ولا تتفلسف . الرجل : ( يضحك ويقلب الكاسيت فينبعث صوت فيروز ) عندما اريد ان اتذكركِ بالبيت اسـمع فيــروز , وبخاصة هذه الأغنيـة التي اهديتيها ليَّ في عيد ميلادي : سـهار بعد سهار ... المرأة : انا اتذكركَ مع كل اغنية لفيروز . الكلمات , الموسيقى , الالحان . يا الله . لكن اتذكرك بشكل خاص مع اغنية ياريت ( تتنحنح وتبلع ريقها عدة مرات ثم تنشد بصوت مرتجف قليلا ) ياريت , انت وانا في بيت , شي بيت , ابعد بيت , ممحي ورا حدود العتم , والريح نازل بالدني تجريح , بيضيّع آثارنا , وما تعود تفل , تظل حدي تظل ... الرجل : ( حالماً ) ياريت . المرأة : ( تطبق بشفتيها على شحمة اذنه , وتعض الشاربين , ثم تستكين . يدرك انها اخذت تذرف الدموع . يقبّل عينيها . تنهره برقة ) لا . لا تقبّلني من عيني . القبلة من العين تفرّق . الرجل : ( يتنهد ويرخى راسه على صدرها ) يقول العشاق في السينما والمسرح والقصص : لا شئ يفرقنا سوى الموت . المرأة : ( تقاطعه ) لا تذكر الموت ارجوك ( تحتج برقة ودلال ) ثم أتُعد هذا احتفالاً ؟ الرجل : لا . المرأة : هيا اذن . الرجل ( حالما يستلقي بين الفخذين يسمع صوت باب الشقة ينفتح وينغلق . ينظر بفزع الى المرأة ) من ؟! المرأة : ( وقد اتسعت عيناها السوداوان ) لا ادري . الرجل : الم تقولي انه سافر ؟ المرأة : بالتأكيد . صباح اليوم . الرجل : ( همساً ) لنطفئ النور . المرأة : ( تدعوه للسكوت ) إش ش ش . ( ينطفئ النور وتسدل الستارة )
***
دخلوا مبنى المطار مسرعين . توجها , لطفي وابنه مؤيد , الى نافذة مكتب الاستعلامات : - آنسة , متى تقلع طائرة الخطوط الجوية العراقية الى بغداد ؟ - بعد ساعة. - ومتى يجب على المسافر ان يكون داخل صالة الترانزيت ؟ القت نظرة على ساعة يدها وقالت : - يمكن الدخول الآن . تغضن وجه مؤيد وقال محتجا : - لماذا الان , لماذا الان ؟ زجره الأب : - هذا امر لا يخصك . فهمت ؟ عادا الى الضيف وأم مؤيد : - ستقلع في موعدها المحدد . - ممتاز . - يجب ان تدخل الان . اعني بعد دقائق . هتفت ام مؤيد : - ولِماذا هذي العجلة ؟ فتح ابو مؤيد ذراعيه معتذرا بحنق : - العفو . هذا ما قالته لي . اسأليها . نظرتْ باتجاه نافذة مكتب الاستعلامات ثم في عيني الضيف ، وقالت متوسلة : - اجِّل سفرك بضعة ايام . نرجوك ... تعودنا عليك . رد الضيف بتأثر : - اشكركم . اشكركم . بودي حقا ، لكن تعرفون ... انتهت اجازتي ، يجب ان ارجع . - مؤسف . هيأ لك المسكين ابو مؤيد برنامجاً لشهر كامل , نريك لندن كلها , وانت لا تبقى غير اسبوعين . - هذه ظروفي . - لعل اقامتك في بيتنا لم تكن مريحة . تخضب وجه الضيف ورد بامتنان : - بالعكس , بالعكس . وانا قادم على اية حال مرة اخرى . - متى ؟ - لا ادري بالضبط . سأكتب اليكم . لم يشارك ابو مؤيد في الحديث . كان يقلب صحيفة ويختلس النظرات الى ساعة يده . قال مؤيد فجأة : - اتمنى لو تتعطل الطائرة ويؤجلون سفرك . - لا سمح الله , لا سمح الله . قال الضيف واعقب : - سأرسل اليك قصصا كثيرة من بغداد لتقوي بها لغتك العربية . سأل مؤيد : - انت عربي ؟ - طبعا. مثل بابا . - انت صديق بابا ؟ - قلت لك يا مؤيد الف مرة انني ابن خال بابا ... وصديقه ايضا . - بابا رسام . وانت ؟ - انا عسكري . ضابط بالجيش . اراد مؤيد الاسترسال في طرح الأسئلة , الا ان الام اشارت اليه بالسكوت ليصغوا الى نداءات مذيعة المطار وهي تحث مسافري الخطوط الجوية العراقية الى بغداد على التوجه الى قاعة الجوازات . استعد الضيف |